*خالد محمد أحمد*
نشرت صحفيةٌ سودانية مرموقة مادةً في حسابها على فيسبوك تناولت اجتماعًا انعقد في ملحقيةٍ عسكرية بإحدى سفاراتنا في أوروبا بين مسؤولين سودانيين ووفدٍ من شركة تعمل في مجال الأدوية والمستلزمات الطبية، وأرفقت المادة صورًا فوتوغرافية للمشاركين في الاجتماع داخل السفارة وأمام مبناها، إلى جانب صورةٍ لمراسَلةٍ رسمية صادرة عن الملحقية العسكرية المعنيَّة وموجَّهة إلى إدارةٍ في وزارة الخارجية.
تفيد المراسَلة بأن الشركة أبدت استعدادها لتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية لكافَّة المستشفيات العسكرية السودانية، إضافةً إلى مستلزمات المعامل والمستهلكات الطبية، وتطلب من الإدارة المختصَّة التكرُّم بالاطلاع والإحاطة واتخاذ ما يلزم من إجراءٍ.
بمجرَّد قراءتها، تفتح المادة الصحفية مجموعةً واسعة من الأسئلة المهنية والمؤسسية، وفي مقدِّمتها سؤالٌ عن الغرض منها أصلًا.
هل هي خبرٌ عن اجتماعٍ تمهيدي قد يقود إلى تعاونٍ في مجال توفير الأدوية والمستلزمات الطبية؟ أم حديثٌ عن المسؤول وإنجازاته السابقة ومواقفه، مقرونًا بالتحذير من سحب المشروع منه وإسناده إلى غيره مستقبلًا على نحوٍ يوحي بأن إسناده إليه يضمن النزاهة ونجاح المشروع، بينما يفتح إسناده إلى غيره بحسب ما تذهب إليه المادة البابَ أمام الفشل والفساد؟
من الناحية الصحفية البحتة، إذا كان الغرض هو نقل ما جرى في اللقاء، فإن الأمرَ لا يحتاج إلى أكثر من خبرٍ موجز يوضِّح طبيعة الاجتماع وما أُعلن فيه. غير أن طريقة تقديم المادة تجاوزت هذا الإطار؛ فلم تكتفِ بنقل تفاصيل الاجتماع واستعداد الشركة لتوفير الأدوية والمعدَّات والمستهلكات الطبية، بل أحاطت الخبر بسردٍ مطوَّل عن المسؤول وتجاربه ومواقفه خلال الحرب، وقدَّمت عنه شهادةً قوية في النزاهة والإخلاص والعمل العام، إلى جانب التحذير من مخاطر الفساد وما قد تؤول إليه البدائل المستقبلية. وبذلك، امتزج الخبر بالإشادة الشخصية والتحذير من مآلات المشروع إذا أُسنِد إلى غيره.
لا يُشكِّل التعبير عن التقدير الشخصي مشكلةً في حدِّ ذاته؛ فقد تكون للصحفي تجربةٌ شخصية مع شخصيةٍ عامة، ومن حقِّه أن يُعبِّر عن تقديره لها. غير أن الممارسة الصحفية تُميِّز بين المعلومة القابلة للتحقُّق والانطباع الشخصي أو الشهادة الذاتية؛ فكلَّما اتَّسعت مساحة التزكية داخل المادة، ابتعدت نسبيًا عن نمط الخبر الذي يضع الوقائع أمام القارئ ويترك له مساحة تكوين حكمه بشأنها. ولذلك، فإن الجمع بين نقل الخبر والتزكية الشخصية والتحذير من مآلات مستقبلية يثير سؤالًا بشأن الحدود المهنية الفاصلة بين التغطية الصحفية والكتابة التي تحمل موقفًا واضحًا تجاه أحد أطراف الخبر.
كما أن المادة تتحدَّث عن اجتماعٍ لبحث آفاق التعاون، لا عن صفقةٍ مكتملة. ولذلك، فإن الحكم على جدواها ونجاحها لا يصبح ممكنًا إلا عندما تُترجَم التفاهمات والوعود إلى إجراءاتٍ فعلية وآثارٍ ملموسة يمكن التحقُّق منها. عندها يصبح الحديث عن الإنجاز والإشادة بمن أسهموا فيه مستندًا إلى وقائعَ، لا إلى مجرَّد تفاهماتٍ أُعلِن عنها في اجتماعٍ.
وانطلاقًا من هذا، فالأسلم للصحفي ألَّا يجزم بنجاح مشروعٍ ما زال في مهده لمجرَّد معرفته “اللصيقة” بالمسؤول أو استنادًا إلى إنجازاتٍ سابقة؛ بل ينبغي أن يكون التقييم المهني تراكميًا يستند إلى مجمل أداء المسؤول وسجلِّه السابق من الإنجازات والإخفاقات والقرارات مع مراعاة أن لكلِّ مشروعٍ ظروفه وخصوصيته ومعاييره التي ينبغي أن يُقيَّم على أساسها.
أما الصور، فهي عنصرٌ مهمٌّ في العمل الصحفي؛ إذْ إنها تُوثِّق الحدث وتمنحه سياقًا بصريًا، وقد تُعزِّز قدرة القارئ على فهم القصة. وفي الظروف العادية، قد تبدو صور الاجتماعات الرسمية أمرًا اعتياديًا؛ لكن في ظرفٍ أمني حسَّاس، ومع اجتماعٍ ينعقد في ملحقيةٍ عسكرية ويضمُّ مسؤولين وشركةً تتحدَّث عن توفير إمداداتٍ لمؤسساتٍ عسكرية، يصبح من المشروع مهنيًا استحضار مبدأ الضرورة؛ فهل تُضيف كلُّ صورةٍ منشورة قيمةً إخبارية حقيقية، أم كان يمكن تحقيق الغرض الصحفي بمعلوماتٍ أو صورٍ أقلَّ؟
ولا يعني ذلك أن نشر الصور يمثِّل مخالفةً، أو أنها تتضمَّن بالضرورة معلوماتٍ أمنية حسَّاسة؛ ولكن المهم أن يتذكَّر الصحفي مسؤوليته في تقدير قيمة ما ينشره، وخاصةً في ظروف الحرب، والتمييز بين ما يمكن نشره وما تستدعي الضرورة الصحفية نشره فعلًا.
وربما يكون الجانب الأكثر إثارةً للأسئلة المؤسَّسية في هذه الواقعة هو الرسالة الرسمية؛ فالخطابُ الظاهر في الصور صادرٌ عن ملحقيةٍ عسكرية، وموجَّهٌ إلى إدارةٍ في وزارة الخارجية، وهو ما يجعله جزءًا من دورة مراسلاتٍ حكومية داخلية. وعليه، فإن ظهوره في المجال العام وطريقة عرضه ضمن المادة الصحفية يطرحان مسألةً تتجاوز المحتوى المنشور إلى كيفية إدارة الوثائق وتداولها داخل المؤسسات الحكومية، وإلى مدى الحاجة الصحفية إلى إظهار الوثيقة كاملةً بهذه الصورة.
وجود الوثيقة بحوزة صحفي لا يعني تلقائيًّا أنه حصل عليها بطريقةٍ غير مشروعة، كما أن نشرها لا يعني بالضرورة وقوع مخالفةٍ، لكن وصول وثيقةٍ من هذا النوع إلى المجال العام يستدعي من الناحية المؤسَّسية مراجعةَ مسار تداولها وحمايتها؛ فالجهة الحكومية التي تُصدِر وثيقةً أو تتلقَّاها ينبغي أن تكون لديها إجراءاتٌ واضحة تُحدِّد من يملك حقَّ الاطلاع عليها، ومن يجوز له نسخها أو تصويرها أو مشاركتها خارج القنوات الرسمية، وما إذا كانت مصنَّفة أو مقيَّدة التداول.
ومن المهم في هذا الجانب تجنُّب الخلط بين المصطلحات؛ فكون الوثيقة داخلية لا يعني بالضرورة أنها سرِّيَّة بالمعنى القانوني؛ فقد تكون هناك مراسلاتٌ إدارية داخلية لا يوجد نصٌّ يمنع نشرها، بينما تتمتَّع وثائقُ أخرى بحمايةٍ قانونية خاصة أو تخضع لقيودٍ محدَّدة على تداولها. ولذلك، فإن مجرَّد صدور الخطاب عن ملحقيةٍ عسكرية لا يكفي للحكم على وضعه القانوني، فالمسألة تتعلَّق بتصنيف الوثيقة ومحتواها وطريقة تداولها والقوانين واللوائح المنظِّمة لها.
لكن حتى في حال عدم وجود حظرٍ قانوني على نشرها، تبقى مسألةٌ مهنية تتعلَّق بمدى الحاجة إلى نشر الوثيقة كاملةً؛ فليس كلُّ ما يجوز نشره قانونًا يستلزم بالضرورة نشره كاملًا، وقد يكون نقل مضمون الوثيقة كافيًا لتحقيق الغرض الإخباري دون إتاحة أصلها وما قد يتضمَّنه من تفاصيلَ إضافية. وعلى هذا الأساس، تتقاطع مسؤولية المؤسَّسة الحكومية مع مسؤولية الصحافة؛ فالمؤسَّسة مطالبةٌ بضبط تداول الوثيقة وفقًا لقواعدَ واضحةٍ، والصحفي مطالبٌ بتقدير ما تضيفه الوثيقة إلى القصة قبل نشرها كاملةً.
وتنطبق القاعدة نفسُها على المعلومات والصور؛ إذْ يستلزم نشر كلِّ تفصيلٍ أو صورةٍ تقديرَ قيمتهما في ضوء حقِّ الجمهور في المعرفة ومقتضيات الخصوصية والحساسية الأمنية.
تُقدِّم المادة نموذجًا آخر يستحقُّ النقاش، يتمثَّل في الانتقال من الإشادة بمسؤولٍ أو بمبادرةٍ لم تُستكَمل بعد إلى الحديث عن البدائل المستقبلية والقول إنها ستكون أكثر كلفةً وأقلَّ جودة، وأن الفارق قد ينتهي إلى سماسرةٍ ومتاجرين بصحَّة المواطن. يمكن لمثل هذه المخاوف أن تُشكِّل موضوعًا مهمًّا للصحافة الاستقصائية، لكن قيمتها الصحفية تزداد حين تستند إلى معلوماتٍ ثابتة قابلةٍ للتحقُّق، وتطرح أسئلةً من دون تحويل احتمال الفساد إلى واقعةٍ أو حكمٍ مسبَّق. كما أن الإشادة بمبادرةٍ أو مسؤولٍ استنادًا إلى المعلومات المتاحة لا تعني الحكم مسَّبقًا على مآلها قبل تحوُّل التفاهمات إلى إجراءاتٍ فعلية وآثارٍ قابلةٍ للقياس والتحقُّق.
إجمالًا، تضع هذه المادة الصحافةَ والمؤسَّسات الحكومية أمام مسؤوليةٍ مشتركة تتمثَّل في تقدير ما ينبغي نشره، وما ينبغي حمايته، وما يكفي منه لتحقيق الغرض الصحفي دون إفراطٍ أو حجبٍ، مع ضرورة الفصل بين الوقائع القابلة للتحقُّق والتقديرات الشخصية والأحكام المسبَّقة. وتزداد أهمية هذا التوازن في زمن الحرب، لأن تبعات الخطأ والتطوُّع بالمعلومات المجانية لمَن يتربَّص بالبلاد قد تتجاوز حدود القصة الصحفية المنشورة.
20 سبتمبر 2026
اكتشاف المزيد من سودان بلس
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.