الطبقة السياسية المتلبرلة من أخطر أعداء الوجود السوداني

الطبقة السياسية المتلبرلة من أخطر أعداء الوجود السوداني

د. معتصم أقرع

يعاني السودان من طبقة سياسية تتسم بجهل مدقع وعجز تام عن التفكير العقلاني الواقعي؛ إذ تقتات هذه الطبقة على شعارات سطحية ومُعلّبة، صالحة لكل زمان ومكان ولهذا تظل عاجزة عن تحديات التصدي الفعال لأوضاع متعينة في كثير من الأحيان.

تؤمن هذه الطبقة بأن انهيار الجيش السوداني أو هزيمته سيؤدي بالضرورة إلى انتقال السلطة لقوى مدنية ديمقراطية تتبنى أرقى المبادئ الليبرالية العالمية.

إنه اعتقاد ينم عن غباء شديد؛ وهذا سبب أن أصحابه لا يصرحون به علانية، إلا أنه يظل افتراضاً ضمنياً جوهرياً ومسلّمةً أساسيةً تنطلق منها هجماتهم على الجيش -سواء كانت الهجمات مستحقة أو مجحفة، وغالباً ما تكون غير متناسبة وتفتقر إلى انضباط اللغة والمنطق.

 

لا يحتاج إنسان إلى ذكاء خارق ليدرك أن انهيار الجيش أو هزيمته سيفضي إلى استيلاء عصابات عنيفة (مثل الجنجويد) وقوى أجنبية على السلطة، حيث ستقوم تلك القوى باحتلال المناطق الغنية في السودان -سواء بشكل مباشر أو غير مباشر- بينما ستقوم بعض دول الجوار بضم مساحات شاسعة من الأراضي السودانية المتاخمة لحدودها. إن انهيار هذا الجيش يعني نهاية السودان كما نعرفه بصورته المعهودة، لا بزوغ فجر الحكم المدني الديمقراطي.

 

من المؤسف -عند تقييم مستوى ذكاء الطبقة السياسية السودانية- أن نجد أنفسنا مضطرين للتذكير بأن التغيير في حد ذاته ليس ضمانة للتحسن؛ فمهما كان الوضع سيئاً، قد يؤدي تدمير القائم إلى استبداله بكيان أكثر توحشاً وسوءاً بمراحل. هذه هي العقلية التي تفصل سؤال التغيير عن سؤال البديل هي ذات عقلية القفز في الظلام التي لا تزال تحتفل بالانتفاضات السودانية المتعاقبة -من أكتوبر 1964 إلى أبريل 1985، وصولاً إلى أحداث ديسمبر-أبريل 2018-2019 . لا غبار على الاحتفاء الشاعري بسعي الشعب السوداني نحو الحرية، لكننا بحاجة ماسة لفهم أسباب فشل كل تلك الانتفاضات، وكيف انتهت الأخيرة منها إلى كابوس مروع.

والأسوأ من عدم امتلاكنا لنظرية تفسر اسباب فشل الهبات وعجزنا عن استخلاص العبر، هو أن هذا السؤال الجوهري نفسه غائب تماماً عن أجندة الخطاب الوطني وغير مسموح به في ظل سيادة العقل الشعاراتي التبسيطي الذي لا يتعلم ولكنه جاهز لردم الخصوم بما ليس فيهم لإخفاء خواء عقله.

عموما الطبقة السياسية المتلبرلة، من يسارها إلي يمينها الليبرالي، صارت من أخطر أعداء الوجود السوداني.

كان الإخوان الجمهوريون يبرّرون دفاعهم عن نظام نميري بالقول إن نظام مايو بصلة في كفّ الشعب، لو أسقطها حلّت محلها جمرة. وبغضّ النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع دفاع الجمهوريين عن نظام نميري، وعن جودة أو رداءة المبرر لذلك الدفاع، فإنهم لم يُسقطوا سؤال طبيعة البديل لوضع سيئ، وأدركوا أهمية أن يكون التغيير إلى أحسن، وأن طبيعة البديل لا تُترك إلى مرحلة ما بعد إسقاط البصلة وحضور ولد لبات. ولكن كان هذا ذكاءً ووضوحًا فكريًا جمهوريًا بالقديم. ألا رحم الله الأستاذ محمود الذي لم يكن جنجويديا ولا كمبرادورا ولا غلاما في بلاط سلطان.


اكتشاف المزيد من سودان بلس

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اكتشاف المزيد من سودان بلس

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة