الجريمة حاضرة والحكومة غائبةً!

الجريمة حاضرة والحكومة غائبةً!

 

لو أنهم فراخٌ،

يُصنع من أوراكها الحساء،

لوُضعوا في قفصٍ لا يمنع الهواء،

وقُدِّم الحبُّ لهم والماء؛

لو انهم….

لكنهم “معدنيين بسطاء”

2

حدودٌ يتسلل منها الجنجويد والمرتزقة، وأخرى يدخل منها السلاح، وثالثةٌ تُقام فيها معسكرات التدريب وتُرسل منها المسيَّرات التي أودت بحياة نازحين في ود الماحي… وحدودٌ مفتوحة تُهرَّب عبرها مئات الأطنان من الذهب، وكل صادرات السودان… لم يكن ينقص حدودنا إلا أن تُقصف، وهو ما جرى في حادثة المعدِّنين الأخيرة، وتمَّت الناقصة.

3

كان ردُّ فعل رئيس مجلس السيادة أن أصدر قرارًا بتشكيل لجنة لتقصِّي الحقائق، تضم ممثلين عن النيابة العامة والجهات العدلية والأمنية، للتحقيق في حادثة المعدِّنين بالمنطقة الحدودية مع مصر، ورفع تقرير بنتائجها.

وهذا أول إجراء رسمي من أعلى سلطة سودانية. وكان أمجد فريد قد أدان، قبل ذلك، قصف المعدِّنين، ووصفه بأنه «جرم غير مبرر وغير مقبول»، وقال إن تجاوزات الحدود ينبغي أن تُعالج عبر القانون و«قنوات التواصل المفتوحة»، لا بالقصف الجوي. ويمثل تصريحه أول موقف معلن لمسؤول مرتبط بمؤسسات الحكم السودانية منذ الغارات. وكان كلا الموقفين محترمًا: إدانة الحادثة ، والإعلان عن تشكيل لجنة تحقيق.

4

وأنا في أجواء في معمعة حملة إسقاط «*حيطة الزبالة*» بسلسلة المقالات التى كتبتها، جاءت هذه الحادثة، فتساءلت: أين الحكومة؟ وعن ماذا هي مسؤولة بالضبط، إذا لم لم يكن من أولوياتها حماية ارواح أرواح السودانيين؟

لو كانت لدينا حكومة مسؤولة، لسارع رئيس وزرائها إلى دعوة مجلس الوزراء للانعقاد، بحضور وزير الدفاع والداخلية، لمعرفة ما جرى تحديدًا، ثم إصدار بيان بإدانة الحادثة. ومن ثم، لانتقل سيادته بطائرة عمودية إلى موقع المجزرة، ليكون شاهدًا من مسرح الجريمة، ثم إلى المستشفيات، ثم لزيارة بعض أهالي المتوفين.

كان يمكنه، رمزيًّا، أن يزور أسرة الطيب الهادي أحمد، معزِّيًا في وفاته، بعد أن شاهد العالم ذلك الفتى، الذي يرعى أسرته، ويدلي بوصيته الأخيرة، ويفصح عن ديونه، طالبًا العفو من الجميع، في مشهد مزَّق نياط القلوب؛ رحمة الله عليه.

ألم يكن ذلك أولى من زيارة المخابز والأفران وستات الشاي ومحطات الوقود، متأبِّطًا مقياس البنزين، مثله مثل أي عامل في محطة وقود؟!

5

كان يمكنه إرسال وزير الخارجية إلى مصر فورًا، للالتقاء بالمسؤولين المصريين، لمعرفة ما حدث ومسبباته، خاصة بعدما أصدرت القوات المسلحة المصرية بيانا أمس أكدت فيه البدء في حملة ضدّ التنقيب العشوائي.وبعد ذلك يمكنها اتخاذ موقف بناءً على المعلومات التي سيحصل عليها، ومن ثم يبحث كيفية منع تكرار مثل تلك الحوادث.

وفي أثناء ذلك، يسارع هو إلى لقاء رئيس مجلس السيادة، ليطلعه على موقف مجلس الوزراء، وما دار في المجلس، والإفادات التي أدلى بها السادة الوزراء. وبعدها يصدران بيانًا مشتركًا يعبِّر عن كلا المجلسين، بدلًا من أن ينفرد مجلس السيادة بالمبادرة، فتظهر حكومة الحيطة في حالتها الرثَّة المعهودة.

تُرى، ما الأولوية: حضور جلسة لملتقى أُنْفِقَت فيه ساعات للحديث عن الخطة الاستراتيجية لحكومة الأمل بعد عام ونصف، أم المسارعة إلى الوقوف على حقائق قصفٍ أودى بحياة معدِّنين سودانيين يبحثون عن لقمة عيش في مجاهيل الصحراء؟! ولكن هكذا هي أولويات رئيس حكومة الحيطة!

6

لو سالنا لماذا لاذت حكومة الحيطة بالصمت؟ ربما لاتجد تفسيرا، اما انها لم تسمع بالحادث ام انها تخشى تبعات اتخاذ موقف قبل معرفة اتجاه الريح السيادى او انها اصلا لاتهابة لارواح السودانيين او الثلاثة اسباب مجتمعة وذلك في ظنى الاقرب. ولكنه من المؤكد انه ليس في مقدروها ولاتقديرتها ان تتحدث قبل مجلس السياده مما يثبت انا لاتعدو كونها سكرتارية ودرقة لاحول لها ولاقوة ولا تستطيع ان تنهض بفعل مستقل تبتدره هى بنفسها.

إن نقص المعلومات قد يفسر تأخر الحكم على الواقعة، لكنه لا يبرر غياب التواصل، ولا يعفي من المبادرة. وليس المطلوب أن تتهم الحكومة جهةً قبل اكتمال التحقيق، بل أن تعلن ما اتخذته من إجراءات للتحقق من الحادثة، ورعاية المصابين، ومواساة الأسر، ومتابعة القضية.

ثمة فرق بين التريث في تحديد المسؤولية والصمت عن المأساة؛ الأول قد يكون ضرورة، أما الثاني فليس بديلًا عن أداء الواجب. وإذا كانت الحكومة تنتظر في كل مرة أن يبادر مجلس السيادة، فمن حق المواطنين أن يسألوا: أين دورها التنفيذي، وأين قدرتها على النهوض بمسؤولياتها؟

7

إن هذا الصمت الحكومي المريب تجاه استباحة الحدود وإزهاق أرواح المواطنين يضع قيمة الإنسان السوداني في صميم السؤال: هل تتعامل الحكومة مع حماية مواطنيها بوصفها مسؤوليتها الأولى، أم بوصفها شأنًا يمكن تأجيله إلى ما بعد الزيارات والملتقيات؟

المطلوب الآن ليس بيانًا إنشائيًّا آخر، بل إعلان ما توافر من معلومات، وتوضيح ما لا يزال قيد التحقيق، وحصر الضحايا والمصابين، وإعلان ترتيبات رعايتهم ودعم أسرهم، وتحديد موعد لإطلاع الرأي العام على ما يمكن نشره من نتائج التحقيق. والمطلوب كذلك أن يعرف المواطنون ما الذي ستفعله الحكومة لمنع تكرار هذه المأساة، ومن المسؤول عن متابعة تلك الإجراءات.

عندها فقط يصبح الحديث عن المسؤولية موقفًا يمكن اختباره، لا شعارًا يُرفع ثم يُنسى. فقيمة الحكومة تُقاس بقدرتها على الاستجابة حين تُمس حياة مواطنيها.

ولن يستقيم حال البلاد إلا بإنهاء حالة اللامبالاة وتأسيس حكومة مسئولة لاتشبه حكومة الحيطة .


اكتشاف المزيد من سودان بلس

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اكتشاف المزيد من سودان بلس

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة