السودان: حرب الوجود.. مشاهدات من على شرفة الميناء البري ​تزحلقات نظام الإنقاذ (8)

السودان: حرب الوجود.. مشاهدات من على شرفة الميناء البري  ​تزحلقات نظام الإنقاذ (8)

        انتهت انتخابات عام 2010 التي قضت بفوز “الإنقاذ الجديدة” ومَن رضيت عنهم وأفسحت لهم المجال في الدوائر الانتخابية، ليمضي الجنوب بعدها في طريق الانفصال دولةً مستقلةً بعيداً عن الوطن الواحد. وفي تلك الأثناء، بدأت المجموعات تخرج من داخل النظام، في إشارة واضحة إلى أن بنيته لم تعد بخير، وأن الفوز الانتخابي لم يكن كافياً لتشكيل واقع يتجاوز معضلات النظام نفسه، وقطعاً لن يتجاوز معضلات البلاد. ومع تصاعد حراك “الربيع العربي”، اندلعت هبة 23 سبتمبر.

     ​لكن الشاهد في الأمر أن الإسلاميين (المعارضين) لم يشاركوا في هذا الحراك، وإن كانت لدى بعضهم قناعة تامة بعدم قدرة النظام على الاستمرار أكثر من ذلك، وبانعدام أخلاقية “الوصفات” الأمنية التي يتعامل بها مع مَن خرجوا عليه.

​    صدمة الثورة المضادة في مصر وموقف الترابي :

    ​كانت “الردة” التي حدثت على الثورة المصرية موجعة، وجاءت لتؤكد حقيقةً طالما رددها الشيخ حسن الترابي —عليه رحمة الله ورضوانه— ومفادها:

​”إن الغرب لن يسمح بوصول الإسلام إلى السلطة، وإن سلك طريق الديمقراطية وبناء الأحزاب التي هي في الأصل قانون غربي أُنتج لحسم الصراع.”

​وإن كان هذا الحديث يبدو سابقاً أقرب إلى الطرح “النظري”، وكانت أمثلته في الجزائر وغزة بعيدة عن جيل اليوم، فإن ما حدث في “مصر” —الدولة المحورية اللصيقة بالشعب السوداني— كان تجسيداً حياً لارتدادٍ عن المنجز الثوري عبر انقلاب حظي بغطاء حشدي.

​هذا المشهد الإقليمي فتح شهية الأحزاب المعارضة في السودان، والتي كان الشيخ الترابي بحزبه (المؤتمر الشعبي) يشكل الركيزة الأساسية لها ضمن تحالف “قوى الإجماع الوطني” الساعي لإسقاط النظام.

​كواليس التنسيق بين المعارضة والخارج :

​بعثت الأحزاب برسالة إلى الشيخ الترابي تفيد بأن الوقت قد أصبح مناسباً للتغيير، وأن أمريكا منحت “الضوء الأخضر” للتحرك. وتلخصت خطتهم في الآتي:

  • ​داخلياً: تحريك حراك جماهيري ضد النظام يصل إلى مائة ألف متظاهر في قلب العاصمة وقرب القصر الجمهوري.

  • ​ميدانياً (في الأطراف): تحريك الجبهات الخارجية بنشاط عسكري مكثف (عبر عبد العزيز الحلو وغيره)، بهدف إشغال الجيش بالمعارك الحدودية وتحييده عن التأمين الداخلي.

  • ​حقوقياً ودولياً: شلّ حركة الأجهزة الأمنية بالضغط عبر ملفات حقوق الإنسان، والقرارات الدولية، ورفع “كرت” المحكمة الجنائية الدولية ضد الرئيس، مع مغازلة بعض أركان النظام بورقة “الهبوط السلس” لتوسيع العملية السياسية بدلاً من إسقاط النظام كلياً.

​هكذا خططت الأحزاب، فما كان من الشيخ الترابي إلا أن باغتهم بسؤال: “ماذا تقولون فيما حدث في مصر؟”.

​حينها أجاب بعضهم بحماس أعمى قائلين إنها “ثورة جديدة”، بينما فهم البعض الآخر مغزى السؤال فتهرب بالإجابة التقليدية: “هذا شأن مصري لا علاقة لنا به”. لكن الشيخ واجههم ببياناتهم التي صاغوها بأيديهم تأييداً لانقلاب مصر، وتطرفهم في إدانة مَن جاء حاكماً وفق الصندوق والشروط الثورية ذاتها التي يريدون تنظيمها اليوم في السودان!

​بسبب تلك الردة المصرية، تجددت عند الشيخ الترابي القناعة ذاتها: أن الغرب الحاكم عدوه الأول هو “الإسلام” وليس مقصده “الديمقراطية”. بناءً على ذلك، رفض الترابي السير في هذا الطريق؛ لأن موقفه من التغيير ارتبط بـ “توجهه” لا بـ “مبدئيته”. لقد استشعر أن التغيير القادم وفق هذه المعطيات سيوُلد مشوهاً ليُقصي الإسلام ودعاته، ولن يخرج عن حدود “النادي الغربي” وجاليته العلمانية في الداخل.

​فقه “المحتملات” وجغرافية الثورة الهشة :

    ​الحقيقة التي أغفلها نظام “الإنقاذ الجديد” هي أن الشيخ الترابي قد عوّد حزبه على التفكير عبر ورقة تنظيمية تُسمى “المحتملات”. وهي ورقة تنتمي إلى الفكر السياسي الناضج، وتمنع الحزب من الغفلة ليكون صانعاً للأحداث لا مجرد صدى لها. كانت هذه الورقة بمثابة الحصن الحصين، و”وِرد القائد ولوحة الأعضاء”، حيث تُطرح على القيادة تطلعاً لسيناريوهات الواقع ومواقفه.

​    ومن التحولات التي كنت شاهداً عليها قبل ذلك العام (تحديداً في 2009 عندما كنت أميناً لقطاع الطلاب الاتحادي بحزب المؤتمر الشعبي)، أنني كتبت مقالاً بعنوان: (الثورة الشعبية.. لماذا؟). أخذت أصف فيه وهن الوحدة الوطنية جراء الحروب المتكاثرة، وتناثر الحركات المسلحة، وعنف الدولة الذي بات وسيلة تُقابل بوجوه أخرى من العنف.

    ​وإعجاباً بما كتبت، حملت المقال إلى الشيخ الترابي. اطلع على العنوان وهو يهز رأسه، وأنا أترقب في وجل أن يكتب عليه كلمته الشهيرة “أُعِد” (التي رأيتها كثيراً على أوراق قيادات كبار). وما إن فرغ منه حتى التفت إليّ وسألني: “أنت الثورة الشعبية عاوز بيها شنو؟”.

    ​ثم أدار كرسيه نحو خارطة السودان المعلقة خلفه، وطفق “يفقهني” في جغرافيا السودان، وتركيبته السكانية، وأزماته القائمة والمحتملة. ثم أدار كرسيه نحوي مجدداً وقال لي كلمات لا تنبثق إلا من خبير:

​”السودان ليس بلداً بالمعنى المفهوم، وإنما هو شعوب وقبائل. وقد وهنت فيه الأحزاب وضعف ارتباط الناس بها، وباتت أقرب إلى مناطق معينة وأبعد عن أخرى.. فإذا قامت ثورة شعبية، لن يبقى السودان على ما هو عليه.”

انتهى حديث الشيخ، فجمعت أوراقي وخرجت مستوعباً الدرس.

​خوض انتخابات 2010: الإصلاح بالمضاغطة  :

​     محطة أخرى تدل على إشفاق الشيخ على واقع البلاد وتجديده للوسائل؛ فبالرغم من أن المؤتمر الشعبي كان في حالة “مفاصلة وخصومة مطلقة” مع النظام منذ السادس من صفر، ولم يكن يجمعه به سبب إلا الاستثناء الذي وضعه الحزب مسبقاً لقضايا دارفور، إلا أن الحزب قرر فجأة خوض انتخابات عام 2010 وفق شروط الإنقاذ المجحفة.

​     حينها تساءل الجميع: ماذا يقصد الشيخ بهذا القرار الذي فك عقال الحزب من الإحجام إلى التفاعل، ومنح الانتخابات —بل والنظام نفسه— شرعية؟

    ​وفي الغرفة المغلقة التي تبنت القرار، شرح لنا الشيخ الترابي أبعاده؛ كان يريد “ناصحاً عاقلاً” في كل مؤسسة تشريعية، يعترض على ما يخالف الدستور والقانون وينافح عن القضايا الكبرى؛ لم يكن يبحث عن أغلبية أو فوز كاسح، ولذلك ركز الثقل على القوائم النسبية بشخصيات معروفة ذات وزن، بجانب دوائر الخرطوم.

   ​وعندما نوقش الأمر في مكتب الطلاب لمزيد من الفهم، استقر رأينا على أن الشيخ يريد ممارسة دور “الإصلاح من خلال المضاغطة والضغط من الداخل”، وأنه قد ودع عملياً فكرة “إسقاط النظام” —تلك الكلمة التي ظل يلوح بها ككرت ضغط لقَبول ما هو أقل كلفة وأحفظ لأمن البلاد—.

    ​لكن النظام —المتوجس دائماً من كل خطوة يخطوها الترابي، باعتبارهم أبناءه الذين عقّوه لكنهم يفهمون تماماً قدرته العالية على التخطيط والتأثير— قام بإغلاق المنافذ، ومارس كل الأساليب غير المشروعة للاستئثار بالنتيجة كاملة، مستثنياً فقط من رضى عنهم وأفسح لهم في بعض الدوائر.

     ​بذلك، هُزمت تلك الفكرة التي كانت تضع عينها على سلامة السودان، وعاد الشيخ الترابي مضطراً لاستخدام “كرت الإسقاط”، فكان المقابل أن أودعوه السجن.

​منعرج 2014: الاستدارة نحو النظام وحماية الفكرة:

​      في عام 2014، “نفض الشيخ الترابي يده” من معارضةٍ تكرس كل جهدها ضد “الفكرة الإسلامية” التي هو سيد بيتها ورمزها التاريخي، حيث أدرك أن تلك المعارضة لا مقصد لها في حرية الحقل السياسي، ولا عهد لها بالديمقراطية.

      ​دعا الشيخ “هيئة القيادة” في الحزب —وهي الجهة المنوط بها ابتدار المشروعات الكبرى— إلى اجتماع طارئ، وطلب منهم منح تفويض مطلق لخلق علاقات سياسية جديدة. وبما أن “تحالف قوى الإجماع” كان يضم كافة الأحزاب (فاعلها وخاملها)، ولم يتبق في الساحة إلا “النظام وكتلته”؛ فهم الجميع أن بوصلة الشيخ قد يمت شطر “النظام” لإحداث التحولات السياسية المطلوبة بطريقة مختلفة وأقل كلفة.

​     وعلى هذا الأساس، مُنح الشيخ التفويض لصناعة تلك العلاقات الجديدة.. ومضى في طريقه.

​نواصل..


اكتشاف المزيد من سودان بلس

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اكتشاف المزيد من سودان بلس

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading