
بقلم: عادل الباز
1
الشيء الوحيد الذي يُجيده هذا ال (بولس)، كبير مستشاري الشؤون الأفريقية في الإدارة الأمريكية ومستشار الرئيس دونالد ترمب للملف الأفريقي، هو التدليس؛ إذ لا يمكن أن يمر يوم واحد حتى تصدر منه خشخشة تدليس ما أنزل الله بها من سلطان. خلال الأسبوع الماضي فقط أصدر المستشار بولس تغريدة، ثم أجرى لقاء في منصة Semafor مع الصحفي بينكا أوديو غوكي، محرر الشؤون الأفريقية، وفي نفس اليوم أطلق تصريحات مثيرة لموقع بلومبيرغ، وكلها لف ودوران وكذب.
2
في اللقاء مع منصة Semafor قال المدلس: “السودان أكبر أزمة إنسانية في العالم حاليًا: بحسب الأمم المتحدة واليونيسف، تجاوز عدد الضحايا الأطفال بسبب سوء التغذية منذ اندلاع الحرب 522 ألف طفل”.
تُرى من الذي يمنع الغذاء ويحاصر المدن يا سيد بولس؟ ومن قتل (522) طفلًا بسبب الجوع؟ يعرف بولس الإجابة ولكنه يحتال باستدرار عطف العالم كأنه لا يعرف المجرم.!!
ثم يقول: “معركة الفاشر: المدينة المحاصرة في شمال دارفور أصبحت رمزًا للمأساة الإنسانية، مع تقارير عن قصف متكرر للمدنيين، بما في ذلك استهداف المساجد، وحرمان السكان من الإمدادات الطبية والغذائية”.
مرة أخرى، من هو الذي يقصف المدنيين في المساجد؟ من ينتهك قرارات مجلس الأمن؟ هو عاجز بالطبع عن الإشارة للمجرمين، وشجاع في إصدار بيانات الإدانة للإسلاميين وكتائب البراء.!!
3
سأل مقدم اللقاء بينكا أوديو غوكي: لقد ذكرتَ الرباعية، الإمارات تحديدًا تلعب دورًا مدمّرًا في النزاع. كيف ترد؟
انظر كيف جاءت الإجابة:
مسعد بولس: “انظر، في كل نزاع هناك روايات، وهناك اتهامات، وهناك وجهات نظر مختلفة… ونحن نحاول تحقيق توازن في هذه الديناميكيات!!”
شوفتوا كيف؟ هكذا تحوّل دعم الإمارات للجنجويد إلى روايات ووجهات نظر، رغم كل الأدلة والشواهد والوثائق التي أصدرتها اللجان الأممية المتخصصة ومئات التحقيقات الاستقصائية التي نشرتها الصحف الأمريكية الموثوقة. هل تلك روايات خيالية؟ يا لك من مدلس تافه يا سيد بولس.!!
ثم ما هي تلك الديناميكيات التي يريدون موازنتها؟ هل هي بين الجيش الوطني والمليشيا؟ أم بين الداعمين للمليشيا ومصالح الأمريكيين؟ أم بين الداعمين للمليشيا وبين الذين يدعمون مؤسسات الدولة السودانية الرسمية؟!!
إن تجاهل بولس لتقارير الأمم المتحدة التي وصفت حصار الفاشر وجرائم الدعم السريع بأنها “جرائم ضد الإنسانية”، يجعل تصريحاته ليست مجرد تضليل، بل غطاء سياسي لتبرئة المتورطين في انتهاكات صارخة للقانون الدولي الإنساني.
4
بينكا أوديو غوكي: إذن، إذا كان عليك أن توجه رسالة واحدة للشعب السوداني من إدارة ترمب اليوم، ماذا ستكون؟
مسعد بولس: “الرسالة بسيطة: أنتم لستم منسيون… وإننا ملتزمون”.
تصوروا أن هذا هو نفس الشخص الذي يقر في ذات المقابلة أن الأطفال يموتون بالمئات ولا أحد يتحدث في العالم..!! إذن كيف يكون النسيان والعالم ينظر للأطفال يموتون بالجوع والقصف وهو يلوذ بالصمت؟!! كل هذا للتهرب من إدانة داعمي المليشيا الذين يرفضون حتى الدعوة لرفع الحصار عن أطفال الفاشر.!!
لقد صدق الباحث الأمريكي إيريك ريفز حين قال في تغريدته 26 أغسطس:
“ما الذي يمكن أن يكون أكثر نفاقًا مذهلًا وفاضحًا من أن تُدرج الإمارات العربية المتحدة ضمن الوسطاء بقيادة الولايات المتحدة الساعين إلى إنهاء معاناة المدنيين في السودان، في حين أنها هي نفسها تزوّد قوات الدعم السريع بالمساعدات العسكرية والتقنية واللوجستية والمادية المتطورة، والتي تمكّن تلك القوات من مواصلة حصارها الإبادي لمدينة الفاشر ومخيم النازحين في أبو شوك”.
5
بعد الاجتماع الذي انعقد على هامش الجمعية العمومية للأمم المتحدة الأسبوع الماضي وفشل، خرج المدلس في تاريخ 25 سبتمبر بتغريدة يدلس فيها محاولًا تغطية الخلافات العميقة التي عصفت بالرباعية، قائلًا: “الدول الأربع أعادت التأكيد على أهمية إنهاء الحرب واستعادة السلام وتلبية الاحتياجات الإنسانية للشعب السوداني”.
هكذا أعاد التصريح فقط تأكيد مصادر في بيان 12 سبتمبر ولم يكشف عن جديد.
6
في خبر نُشر في وكالة بلومبيرغ بتاريخ 24 سبتمبر 2025 قال السيد بولس: “قوات الدعم السريع وافقت على السماح بدخول شاحنات المساعدات الإنسانية إلى الفاشر، قائلاً إنّ بعض الإمدادات بدأت بالفعل في التدفق، وأضاف: إنها بدأت تتشكل”.
بالطبع هذا كذب صريح وهو يعلم ذلك؛ إذ قال مسؤولو الإغاثة لصحيفة الغارديان البريطانية وهم في حالة من القلق: “بموافقة الدعم السريع ستدخل شاحنات الإغاثة إلى دارفور، لكن ليس إلى الفاشر إنما إلى مليط – على بُعد 56 ميلًا شمالي الفاشر – ووصلت القافلة وقت الظهيرة”.
والذي جرى بعد ذلك أن قوات الدعم السريع ضربت بطائرة مُسيّرة القافلة، ودمرت 3 من أصل 16 شاحنة.
ومن ناحية أخرى، قال مسؤول أممي لذات الصحيفة: “إن قوات الدعم السريع حذرت أن طائرات الأمم المتحدة أهداف مشروعة. وقال: لقد رفضوا منحنا مرورًا آمنًا”.
هذه هي الحقيقة، ولكن المدلس بولس، في سبيل تبييض وجه الدعم السريع “الإنساني”، يهرف بمثل تلك الأكاذيب التي تدحضها الحقائق على الأرض، في المدينة التي لا زالت محاصرة، لا تصلها أي إمدادات، والناس تموت بالجوع، ولم تسمح المليشيا في أي وقت بعبور مساعدات إليها.
هذه التصريحات لا تُضلل الرأي العام فقط، بل تُضاعف مأساة المدنيين المحاصرين الذين يفقدون حياتهم يوميًا بسبب انقطاع الغذاء والدواء، بينما يجلس المسؤول الأميركي ليُزيّن صورة المليشيا المجرمة.
7
لم يكتفِ المستشار بولس بالتدليس، بل قفز إلى الكذب مرة أخرى، فقال في ذات تصريح بلومبيرغ 24 سبتمبر: “إن طرفي الحرب في السودان يقتربان من عقد محادثات مباشرة لإنهاء واحدة من أسوأ الأزمات في العالم”.
هل تلك حقيقة أم أمنية أم مقترح ومسعى جديد وسري للأمريكان؟ من أين للسيد بولس التفاؤل وقد أفشلت المليشيات من قبل كل الوساطات، وحتى تلك التي كانت أمريكا طرفًا فيها؟! كما فشلت الرباعية وقبلها مؤتمر جنيف ولندن والإيقاد!! فما الذي استجد الآن؟
إذا كان ذلك اقتراحًا أمريكيًا جديدًا تقدمه أمريكا منفردة، فهو يعني أنها قد قنعت من الرباعية ودفنتها نهائيًا، وقررت أن تشرع في وساطة أحادية تفتَرِعها بجمع الحكومة والمليشيات.!! وقد سبق أن فعلت ذلك في إعلان جدة فلم تحقق هدفًا، بل عجزت عن إلزام المليشيا بقبول تنفيذ الإعلان. فما الجديد الآن؟ المليشيا دُحرت، ولذا يسرع السيد بولس لاقتراح وساطة مباشرة تقودها أمريكا وحدها، وهي لن تنتج شيئًا، حتى لو نجحت أمريكا بالضغوط في إقناع الحكومة بالجلوس مع المليشيا.
8
يحاول السيد بولس، بالأكاذيب والتدليس، أن ينقذ مهمته التي تترنح، ويكاد المبعوث الآن أن يتوه في خضم قضية أقحم نفسه فيها وهو لا يفهم شيئًا في تعقيداتها، وبدا أنه أكثر غباءً من رئيسه.
إن ما يقوم به بولس من تدليس لا يُقاس بوزن تصريحاته فقط، بل بآثاره المباشرة في تبييض جرائم وانتهاكات موثقة. فحين يُستبدل صوت الحقيقة بأصوات المساومات، يُطيل ذلك عمر الحرب ويضاعف كلفة المأساة الإنسانية. وما يحتاجه السودانيون اليوم ليس أصواتًا تغطي على المجرمين. الكارثة في السودان لا تحتاج إلى مزيد من البيانات المضللة، بل إلى موقف واضح يحمّل المسؤولية لمن يدعم المليشيات بالسلاح والمال. وأي خطاب يتجاهل هذه الحقيقة، كما يفعل بولس، ليس سوى مشاركة في الجريمة وإفلات من العقاب.