المقاومة الشعبية – نهر النيل ميلاد الإرادة واختطاف القيادة (2/4)


      أُطلقت الطلقة الأولى في واقعٍ كان الناس فيه يحبسون أنفاسهم، ويعدّون الأيام والليالي، بينما كان كثيرون يرون أن مواجهة القوات المسلحة مع مليشيا الدعم السريع مغامرةً خاسرة، ولم يكونوا قادرين على استيعاب حقيقة المشهد، رغم أنهم عاشوا بعض تفاصيله. وفي المقابل، كان العدو يعتقد أن الأمر لن يتجاوز عمليةً خاطفة تُحسم بسرعة، أشبه بخلع ضرسٍ مؤلم تحت تخديرٍ موضعي، وفق شعاره: “خطة بلا خطأ”.

    واجهت القوات المسلحة ذلك المخطط بثباتٍ منقطع النظير، فامتصّت الصدمة، وقدّمت الشهداء، وتمسكت بمواقعها العسكرية حتى آخر رمق، في مشهدٍ بطولي سيظل راسخًا في ذاكرة التاريخ، لا تمحوه الأيام ولا تطمره رمال الزمن.

     ومضت الأيام بطيئةً وثقيلة، والشعب يُهجَّر من دياره، بينما واصل الجيش القتال رغم محدودية الاستعداد والعتاد. عندها هبَّ من كانوا على أهبة الاستعداد من خيرة المجاهدين، يتقدمون الصفوف بشعار “يا خيل الله اركبي”، فخاضوا أشرس المعارك في مواجهة عدو بلغ ذروة صولته وغروره، وسطروا ملاحم ستظل شاهدةً على تلك المرحلة.

     ثم تداعى أبناء الشعب إلى أبواب القوات المسلحة في مختلف المدن، يطلبون المشاركة في المعركة. وانطلقت الدعوات إلى إعداد القوة عبر التدريب والتأهيل واكتساب علوم القتال وفنون الحرب الحديثة، فدبّت في النفوس روح الكرامة، واتضحت معالم المعركة، وانكشفت حقيقة العدو، فازدادت عزيمة الشعب وإصراره على تحقيق النصر.

     ومع تخرّج دفعات المعسكرات، دخلت المعركة مرحلةً جديدة، وتسابق المستنفرون إلى ميادين الواجب، وارتفعت أسماء الشهداء في القرى والمدن، بينما استقبلت كثيرٌ من الأسر أبناءها شهداء بعزةٍ وفخر، وهم يقدمون أرواحهم دفاعًا عن كرامة الوطن.

لقد أخطأ أصحاب ذلك المشروع حين ظنوا أن امتلاك السلاح وحده كفيلٌ بإخضاع السودان.

    وفي تلك المرحلة، ظل العدو يتلقى الإمدادات ويتمدد في مساحات واسعة من البلاد، بينما كانت أبواقه تدعو القوات المسلحة إلى وقف الحرب والقبول بالأمر الواقع. يومها لم يبقَ خارج سيطرته في دارفور سوى الفاشر وبعض الجيوب، وفي كردفان سوى الأبيض، بينما اجتاح معظم الخرطوم، باستثناء أجزاء من أم درمان وبعض الثكنات العسكرية، وواصل مناوراته على تخوم ولايتي نهر النيل والجزيرة.

     وفي الوقت نفسه، كان من يصفهم الكاتب بـ”عملاء قحت” يدعون إلى وقف الحرب والإبقاء على مناطق السيطرة كما هي، بالتزامن مع بث الشائعات لإثارة الخوف بين المواطنين، وظلوا على ذلك النهج طوال تلك المرحلة.

فكيف انهارت تلك الخطة، بعد معية الله وتوفيقه؟

ياسر الفاضلابي


اكتشاف المزيد من سودان بلس

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اكتشاف المزيد من سودان بلس

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة