السودان: حرب الوجود.. مشاهدات من على شرفة الميناء البري ​تزحلقات نظام الإنقاذ (10)


     ​كما حدثتكم، فإن الأشياء لا تقع مصادفة في الفكر السياسي والاستراتيجي أو التنظيمي، إلا أن يخرقها أحدٌ جبراً أو غدراً، والدوائر تدور عليه؛ كما يقول المفكر مالك بن نبي : (الأفكار تنتقم من قائليها).

   ​ولكن الترتيب طابق الحركة؛ وأذكر بأن الشيخ الترابي -عليه الرحمة والرضوان- اتخذ منبراً في بيته، والذي كان لحركة الإسلام النصيب الأكبر فيه. تلك الجلسة كانت “راتباً” يؤمّها الإخوان وغير الإخوان، ويديرها أحد الإخوة الكبار مثل الشيخ عثمان عبد الوهاب -عليه الرحمة- والشيخ خليفة الشيخ، والشيخ إبراهيم السنوسي -حفظهم الله-السودان: حرب الوجود.. مشاهدات من على

    ​في هذه الجلسة كان الشيخ الترابي يستمع إلى نبض الحياة عبر إفادات في قضايا شتى من هموم الناس، والتي بالطبع تحتوي الأحداث الكبيرة، وعبرها يرسل الرسائل في كل الاتجاهات؛ فكرية وسياسية، وأخرى تجاوب عن الأسئلة التي تخص الأحداث المستجدة. هذه الجلسة تنتمي إلى الفكر السياسي الناضج وحنكة القائد الإدارية، بما كان يغطي قصور الحزب في ظل واقع متقلب؛ فيأخذ إفادات تعزز التقارير الدورية أو تجلي حقائقها، أو تسقط عنها آفة المرويات، ويستعدل بها مسير التفكير الحركي بما لا يتيحه العمل الحزبي ذو الطابع السياسي المحض.

     ​ومما أذكره، والأحداث في هبة 23 سبتمبر مشتعلة، إذ بعث بعدد من الإخوة في أعمار مختلفة لإعطائه قراءة حول حقيقة ما يجري على الأرض عبر إحصاء دقيق:

​عدد المتظاهرين والحزبيين وعوام الشعب المطالبين.

​الشعارات.

​عدد الشوارع المغلقة بـ “التتريس” والإطارات (اللساتك).

​الشوارع المغلقة بدون وجود بشري.

​انفعال الناس مع ما يجري.. وهكذا.

​هذه أشياء وضعت بين يديه، ولقد تعلمنا منه آنذاك الفرق بين الحراك حينما يكون ذا قضايا محروسة ومحمية، وحينما يكون “مزاجاً” يملأ الفراغ ويُقضى به الوقت (فالأعمار مهمة)؛ والفرق بين حراك “السوق” والتجمهرات حول الرمزيات، وحراك “الأحياء”؛ وأيهما يتراكم وأيهما يتلاشى.

​وعلى هذا، طلب عبر أخٍ كريم من الإخوة في “مجموعة الإحياء والتجديد” كتابة ورقة تصف الواقع وتشخص علله، وتكون مفاتيح للتعامل معه للحزب في كل مستوياته. وقطعاً -وحتى أكون منصفاً- فليس هذا الطلب وقفاً على مجموعة واحدة، وإن كانت هذه المجموعة هي الأقرب إلى نبض الشباب وتوجهات أفكارهم وحراكهم. فظلوا عاكفين على كتابة هذه الورقة الليالي ذوات العدد، حتى أخرجوا ورقة تتكون من 21 صفحة، وسُلمت للشيخ الذي قدمها للأمانة العامة كجهد من “بعض إخوانكم اهتدوا به إن وجدتم فيه ما يفيد”.

 غير أن أمين الطلاب ثارت فيه “حمية المجايلة” فأراد أن يبخسها، ولكنها مضت فكراً ناضجاً ونافعاً.

​وأذكر حينما أُعلن مناخ “الحوار الوطني”، سارعت الأحزاب إلى إطلاق الندوات في كل الميادين، وتبارى فيها متحدثوها من أجل تشكيل واقع جديد. يومها انتُدبنا -أنا وذات النفر الذين كتبوا ورقة الواقع وكيفية التعامل معه- لتتبع الندوات وإعطاء قراءة. كنا نقدر الأعداد بالنظر الحسابي ونوعية الحضور من حيث الأعمار، والكادر الحزبي المتحرك، وكتل الحضور الأسري لبعض الأحزاب التي عرفت بمثل هذا التشبيك؛ ومن ثم الخطاب: نوعه واتجاهاته والمنفعلين به.

​وبعد ثلاث ندوات، قدمنا مادة “تحليل سياسي” وأتبعناها برؤيتنا التي قلنا فيها:

​”إنه رغم الحضور الذي بدأ متحمساً ومن ثم يتضاءل، ورغم الخطاب المكرور ونوعية الحضور الحزبي وزهد الجماهير في نفعه، إلا أنه يجب على قوى الحوار تجهيز كل الملاعب والمسارح والميادين بمكبرات الصوت (الساوند)، وإعطاء الإذاعة والتلفزيون للمعارضة من أجل إعلان ندواتها وإقامتها، وسوف يكون السودان هو الرابح”.

​لكن المعارضة لم تمهل تحليلنا حتى تبتلي به الحكومة ويأتي الرفض منها ويحمّلوها وزر ذلك؛ بل رأت المعارضة في هذا الطريق هزيمة لها، حيث لا خطاب ولا أحباب لها، وأن الرابح هو “كتلة الحوار”، فأوقفوا الندوات من طرفهم.

​أذكر أننا ذهبنا إلى ندوة بـ “شمبات” في ميدان “حضر وتأتي”؛ ولضآلة الحاضرين كانت في الركن الشمالي الشرقي من الميدان، وكان المتحدث إبراهيم الشيخ يتحدث في الندوة وهو يقرأ من دفتر كحلي، وقد سقط منه ثم تناوله، وسقط “المايك” وتم إصلاحه. وقد بدأت القنوات تسحب ميكروفوناتها وتخلي المكان مع تسلل من تبقى من الحاضرين، حتى تبقى “ميكروفون” واحد عزَّ على صاحبه أخذه حتى لا تكون فضيحة وتصبح المعارضة مثلاً في الملل.

​أقول ذلك لأبين أن من فقه الحركة الراشد أنها كانت تختبر “المسند” وتقدر لقدمها قبل الوطء موضعها.

​نواصل..


اكتشاف المزيد من سودان بلس

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اكتشاف المزيد من سودان بلس

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة