تعقيباً على مجلس الأمن والدفاع الوطني:  ولكم في “نيفاشا” عظة وعبرة  


لكي تنجو البلاد من شراك التدخلات الأجنبية، وشبح التقسيم الناعم (1)

1

ما أن اطلعت على محتوى البيان الصحافي الصادر عقب اجتماع مجلس الأمن والدفاع مطلع الأسبوع الماضي “12 يوليو 2026” حول الورقة المقدمة من “دول الوساطة المتعلقة بالعملية السلمية” كما ورد نصاً، في إشارة إلى المقترح الذي سلّمه المبعوث الأمريكي مسعد بولس لوزير الخارجية محي الدين سالم في اجتماعهما بالعلمين “العاصمة الصيفية لمصر” في 20 يونيو 2026.

حتى شغلني هاجس سؤال محوري، هل تقدم الحكومة السودانية على الانخراط في هذه العملية، وهي تستند على ذاكرة مؤسسية لتجربة الدولة السودانية لسابق وساطات مماثلة، وإلى أي مدى هناك إدراك وسط متخذي القرار لتبعات وتداعيات مثل هذه المبادرات الأجنبية على البلاد مبني على تقييم منهجي دقيق لعواقبها، أم أن هذا الإقبال على الانخراط فيها يأتي دون عظة ولا عبرة بما سبق، من باب الظن أن الأمر لا يحتاج إلى عنت التعلّم من تجارب لا تزال آثارها الكارثية شاخصة.

2

آثرت التريث في الكتابة عن هذا الشأن من باب التثبّت، ومراجعة نهج وسجل المبادرات الأمريكية المتعددة في الأزمات السودانية على مدار ربع القرن الماضي وما أفضت إليه من نتائج لا تزال البلاد تدفع ثمن الأخطاء الاستراتيجية التي وقعت فيها بفعل انخراط المفاوضين السودانيين فيها بحسن نية، إن لم نقل عن غفلة وسوء تدبير وعدم دربة بمسالك شراك نهج المفاوضات الأمريكية وأجندتها المجرّبة في المنطقة، التي لم ينج السودان من الوقوع في حبائلها المرة تلو الأخرى، وهذا ما نعمل في هذه السلسة من المقالات على رصد وقائعه وتحليل نتائجه وتداعياتها.

3

ولكن قبل أن نتناول بالنقد أبعاد وأجندة التدخلات الأجنبية و ونهج مقارباتها للأزمات السودانية، يجدر بنا أن ننظر في خاصة شأننا الداخلي، فالدور الأجنبي لن يجد سبيلاً للتدخل ما لم يجد ثغرات في جدار بنيان داخلي متهالك كثير الثقوب، وتحضرني هنا ما وصفته ذات يوم ب ” نظرية الناموسية في العلاقات الدولية”، على خلفية رد الراحل د. جون قرنق في المؤتمر الصحافي الوحيد الذي عقده في الخرطوم بصفته النائب الأول لرئيس الجمهورية قبل أيام من رحلته الأخيرة عندما سئل إن كانت التدخلات الدولية ستتوقف في السودان بعد تطبيق اتفاقية نيفاشا، فضرب مثلا بقوله “نحن في الجنوب عندنا بعوض كتير، إذا ما عايز تجيك ملاريا، لازم يكون عندك ناموسية، وده ذاتو ما كفاية، إذا ما قفلت الناموسية كويس، ودخلت بعوضة عضتك وجاتك ملاريا، لوم نفسك ما تلوم البعوضة” والحكمة واضحة.

4

جاء بيان مجلس الأمن والدفاع هذه المرة، على غير ما سبقته من بيانات طغى عليها طابع روتيني لا يثير اهتماماً، حمّال أوجه غير مبين يستبطن الكثير من الأمور “القطعية” بشأن تفاوض مبني على افتراضات شديدة التعميم لا يمكن المرور عليها مرور الكرام دون الوقوف عندها وفحص دلالاتها وتبعاتها.

ولا يمكن الجزم إن كان ما ورد في البيان تعبير دقيق عن روح ومحتوى ما تم تداوله وما خلص إليه المجلس من قرارات لم يتم الإفصاح عن طبيعتها بجلاء إلا من تعهدات مبهمة لا تصلح لأن تكون مرجعية معلومة يمكن أن يحاسب أداء المجلس على أساسها. أو إن كان تّركت صياغة هذا التصريح الصحافي، في أمور لا تقبل الاجتهاد، لتقديرات من أسند إليه صياغة هذا التصريح.

وهو خطب جلل، وإن كان متوقعاً في ظل فقدان السلطة القائمة في درجاتها المختلفة ل “استراتيجية مدروسة لخطابها العام” بصورة مؤسسية، قادرة على تعريف الرسالة، وصناعة المحتوى، وفاعلية التواصل، فلا يزال الخطاب الحكومي متخلفاً مضطرباً يقف في محطة الدعاية الخطابية وليدة الانفعال واللحظة، لا يكاد يميز بين ذهنية “البروبغاندا” العتيقة، وبين مقتضيات الإعلام.

5

فقد ورد في متن البيان بندين يكشفان قصور الخطاب الحكومي المريع، ففي العبارة الأولي جاء نصاً “أكد المجلس أنه لا صحة للتسريبات وما تم إثارته مؤخراً في وسائل التواصل الاجتماعي حول هذا الأمر”، وورد في العبارة الثانية “يدعو المجلس كافة الجهات بعدم تداول أي موضوعات تمس الأمن الوطني وتضر بأي عملية سلمية لاحقة”.

والإشارة هنا بالطبع لما تردد على نطاق واسع عن اجتماع سري عُقد بغير علم قيادة الدولة بين الفريق أول ركن شمس الدين كباشي وبين المبعوث الأمريكي مسعد بولص، وما نُقل عن غضب الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان على ذلك نقلاً على لسان مصدر مقرّب له.

وبغض النظر عن صحة أو عدم صحة ما تم تناقله، وهو ما لم يقتصر على وسائط التواصل الاجتماعي، بل أذاعته قنوات فضائية معتبرة على لسان مقربين من قمة السلطة، فمن يُلام في هذه الحالة؟ فإن كانت هذه التسريبات غير صحيحة كما ورد في بيان المجلس، فلماذا الانتظار حتى يجتمع المجلس لنفيها، وكيف لأمر بهذا الخطورة يمس شخصيتين في أعلى هرم السلطة السيادية والعسكرية، في ظروف تحديات

 

وجودية للدولة، يُترك هكذا للقيل والقال يسيطر على وسائط الإعلام لأيام دون مسارعة المعنيين لتوضيح الأمر بصفة عاجلة وحاسمة.

اللهم إلا إذا كان وراء الأكمّة ما وراءها أو لتدبير ما، ولكن في كل الأحوال ما كان لبيان المجلس أن يتطرق لهذا الأمر بنفي متأخر فات أوانه، إن لم يكن يتضمن تحمله المسؤولية لقصوره عن المساءلة بشأن هذا التراشق بالتسريبات.

أما بشأن دعوة “المجلس كافة الجهات بعدم تداول أي موضوعات تمس الأمن الوطني وتضر بأي عملية سلمية لاحقة” وهي مسألة لا خلاف عليها، لكن عليه أن يلزم نفسه بذلك قبل أن يدعو غيره للالتزام بأمور لا يضعها أعضائه في حسبانهم أولاً.

6

بيد أن القضية الأكثر أهمية في بيان المجلس التي تحتاج إلى نقاش صريح وواضح وجاد ما ورد في بندين ينطويان على مؤشرات بالغة الخطورة على مستقبل البلاد، فقد ورد في النقطة الأولى “تداول المجلس، وهو الجهة الوحيدة المسؤولة عن قضايا الحرب والسلام والمفاوضات ذات الصلة، بعمق حول الورقة المقدمة من دول الوساطة والمتعلقة بالعملية السلمية في البلاد كما شكر المجلس دول الوساطة وأكد على موقفه الثابت من العملية السلمية وقام المجلس بإعداد رد متوافق عليه”.

اللافت ابتداءً في هذا النص الجملة الاعتراضية ” وهو الجهة الوحيدة المسؤولة عن قضايا الحرب والسلام والمفاوضات ذات الصلة”، وهو ما يفترض أنه معلوم بالضرورة أن هذه هي مهمة المجلس أصلاً مما لا يحتاج إلى إثبات، فما هي الحاجة لتأكيد المؤكد إلا إذا كان هناك ما ينبئ بأن المجلس يفتقر للقدرة على القيام بهذه المهمة الحصرية لأن هناك تنازعاً في هرم السلطة بين مراكز قوى تتصارع على إدارة هذه الملفات المصيرية على أجندة خفية، وهو ما يقدح في نفي بيان المجلس لصحة التسريبات المتداولة. وإلا لما كان هناك داع لهذه الجملة الاعتراضية التي تثبت وجود ما حاول نفيه.

وسؤال آخر من الواضح أن هذه الجملة الاعتراضية مقصودة لذاتها بغرض إرسال رسالة لمخاطب ما، فمن هو؟ من المستبعد أن يكون طرفاً داخلياً، والأرجح أنها رسالة طمأنة لطرف خارجي، بالضرورة صاحب مبادرة التحركات الأخيرة يشكك في قدرة من يتفاوض معهم على تمرير ما يتم التوصل إليه من مخرجات لهذه المفاوضات.

7

وورد في ختام البيان “جدد المجلس انفتاح حكومة السودان وترحيبها بأي مبادرات تلبي تطلعات وطموحات الشعب السوداني الصابر وتحافظ على وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه”، هذا تعهّد يمنح صكاً على بياض للتدخلات الخارجية لتلعب دوراً محورياً في رسم مستقبل السودان، مقابل حديث مبهم عن تطلعات الشعب السوداني، فما هي هذه التطلعات المفترضة دون تعريف محدّد، ودون تفويض شعبي معلوم، في وقت لا تكتفي المبادرات الأجنبية بالتوسط بل باتت تمتلك حقاً بمثل هذه العطايا المجانية غير المستحقة لتحّدد شروط اللعبة، وأجندتها، واختيار أطرافها، ونتائجها، لترسم مستقبل السودان على وقع إرادتها لا بإرادة الشعب.

8

وهنا تكمن المعضلة الكبرى في تاريخ كل المفاوضات التي صنعتها وقادتها أطراف أجنبية، التي بينت نتائجها أنها جاءت خصماً على حساب مصالح السودان الحقيقية، لأنها فصّلت اتفاقات على مقاس طموحات وأجندة المفاوضين، وليس بحجم قضية الوطن ومصالحه العليا.

والأمثلة أكثر من أن تعد، ولكم في تجربة “نيفاشا” عظة وعبرة، فقد احتشدت الوثيقة بالوعود البرّاقة، ظاهرها الحفاظ على وحدة البلاد، والحكم الراشد، وهلم جرّا، وانتهت بتواطؤ الجميع على طمس تعهداتها، طرفيها قبل وسطائها، لتنتهي بتقسيم البلاد لدولتين فاشلتين بامتياز شمالاً وجنوباً، دون أن يكون للشعب كلمة في تقرير مصير دولته.

 


اكتشاف المزيد من سودان بلس

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اكتشاف المزيد من سودان بلس

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة