تفاصيل كثيرة لا يسمح الوقت بذكرها، جرت ما بين الرابع من رمضان والسادس من صفر؛ لكن “إنقاذ السلطة” مضت دون “المشروع”، حين تركته وراء ظهرها واستقبلت مشروعاً جديداً، كان الانكفاء على الداخل أولى معالمه، مع تفكيك مشروع الحماية والرعاية. وانكفت يد الدولة عن وصال الحلفاء، وانحبس اللسان الذي كان مطلقاً في فضاء “العدل الكوني” ومناصرة المستضعفين، وخلا مسرح الإنقاذ الجديدة إلا من صور التواصل مع الشيوخ والشباب الذين اختاروا جانب السلطة بدعوى الحفاظ عليها. وسنذكر بشيء من التفصيل، في مقام آخر، كيف ترجلوا عنها فرادى وجماعات حين كشفت عن فراغها.
أخطر ما في مشروع “الإنقاذ الثانية” أنه راهن على الغرب، فدفع أثماناً باهظة؛ إذ شهد التاريخ حجم التنازلات عن أصول الفكرة، وعن قيام النظام السلطوي في فكر الحركة وفقهها، كما شهد الأصدقاء صنوفاً من الخذلان وكشف الظهر لكثير من المستجيرين بها من لظى الكيد الدولي وأجهزته القتالة. وتشابكت علاقات أجهزة المخابرات العالمية معنا دون استحياء، ووُصف السودان في مضابطهم بأنه “أرض أكثر الدول الإفريقية أماناً” لملاحتهم المخابراتية.
وظل عرّابو الإنقاذ الجديدة يقولون، في كل تنويراتهم المستبشرة في البداية والمسكّنة في المنتصف، إنهم قد اتقوا -بعزلهم لشيخ الحركة وإمامها- شرور الغرب المعلنة والمحتملة، وجعلوه قرباناً يتوسلون به لإصلاح العلاقات. وذكر أحد المقربين من ذوي الرحم، خلال زيارة خارجية مع نائب الرئيس الذي اصطحب معه رجال أعمال في زيارة استثمارية حينها، أن العلاقات ما كان لها أن تنفتح إلا بعد “تخلصنا من الراجل ده” -يقصد الشيخ الترابي-. هكذا كانت الفكرة التي يتم تسويقها.
وكنا يومها على الجانب الآخر مع الشيخ حسن الترابي -عليه الرحمة- الذي ظل يردد:
“إنهم ذهبوا إلى الغرب وهم لا يعرفونه، والغرب لا يرحم من يجثو على ركبتيه متذللاً له وهو يقول: هل من مزيد؟”
كانت اتفاقية اتفاقية نيفاشا، ببروتوكولاتها المختلفة، أولى محطات انكشاف الرهان الخاسر والتعويل على الغرب. دخلت الحكومة إلى هذا التفاوض بضغوط قليلة ووعود كبيرة، حين أصبح النظام في نسخته الثانية صديقاً يُدار بمنطق “العصا والجزرة”. والتاريخ يقول إن المشروع الغربي، حين يجد طريقه إلى أهدافه، يزيل كل المعوقات التي تعترضه.
وقد أزاح عن طريقه الراحل جون قرنق، الذي كان مشروعه “السودان الجديد” مختلفاً عن مشاريع الحركات الانفصالية؛ إذ قدمته اتفاقية السلام رمزاً، ووجد ترحاباً وقبولاً منقطع النظير لرجل ألمَّ بالشعب، وكان في كل بيت له وجع. لكن المشروع الغربي وجد في دعوته للوحدة وانخراطه في سلطة ترعى مصالح الشعب عائقاً أمام أهدافه، فجاء مقتله بالكيفية التي فُجع بها الناس، ثم أعقبت موته المذابح.
وكان، في نظر أنصاره، كمثل المسيح -عليه السلام- حين دعا بني إسرائيل إلى المحبة والتسامح والألفة، فأرادوا قتله وتمنوا صلبه، فرفعه الله.
قُتل الدكتور جون قرنق حين ظن أن مشروع السلام ملك للشعب، وأنه مشروع للمحبة والوحدة والسلام. وتقدم الدكتور غازي صلاح الدين إلى المفاوضات، وكان يظن أنه يفاوض جزءاً من الوطن على خيارات ومشتركات ترعى مصالح الشعب الحسية والمعنوية، فبدأ بـ”المعاكسة والمشاكسة”، ثم عاد إلى البلاد للتشاور حول الأطروحات غير المقبولة، لكن الوفد عاد إلى المفاوضات من دونه.
بعد ذلك استلم الملف الأستاذ علي عثمان محمد طه، نائب الرئيس، وذهب ليقود التفاوض بنفسه. وبما أن الأستاذ علي عثمان كان عرّاب “الإنقاذ الثانية”، فقد كان أكثر المراهنين على الغرب، ولذلك قدم لهم كل شيء:
أصبح الدين “مصدر إلهام” لا مرجعاً للتشريع.
توسعت أزمة الجنوب إلى مناطق أخرى، وانتشر سرطان دعاوى المظلومية.
أصبح الوطن الواحد محكوماً بالاستفتاء لشعب مغيب، واكتُفي بخمس سنوات فقط من التعايش والاختبار، مع قبول شرط “حسن السير والسلوك” من جانب الدولة المتهمة بالحرب العرقية والدينية.
قُطع شريان الاقتصاد وسُدت أكبر مضخة للموارد دون ترتيب محكم للمكاسب المقابلة أو للآثار المترتبة على ذلك، مما أصاب البلاد بالشلل.
وكانت زيارة الأستاذ علي عثمان محمد طه إلى واشنطن بصحبة سلفاكير ميارديت بمثابة إطلاع على القرارات الأمريكية المتعلقة بالجنوب. فعاد مسرعاً يرسل الشركات ويضخ الأموال، مغالباً الأقدار ليجعل من “الوحدة خياراً جاذباً”، على افتراض أن شعب الجنوب هو المعني بالقبول والرضا، لا الغرب.
والأخطر من ذلك أن الاتفاق -وقبل أن يفتح مسارح جديدة للعمليات تحت دعاوى المظلومية نفسها- أطلق عملية “الدمج والتسريح”، مجرداً القوات المسلحة من خيرة كوادرها الوسيطة، وهي القوة التي تمثل عماد السيطرة الميدانية.