التجارب الدستورية في السودان- د. احمد عبد الحافظ

التجارب الدستورية في السودان- د. احمد عبد الحافظ

 

 

منذ نهاية فترات الإستعمار الإنجليزي للسودان مر السودان بتجارب دستورية متعدده رسمت شكل الدولة ومستويات الحكم فيها.

فالدستور هو النظام الأساسي الذي يحدد آليه عمال الدولة وسلطاتها ويحكم العلاقة بين هذه السلطات وبينها وبين أفراد المجتمع، وقد كانت جميع هذه التجارب مشوبه بكثير من التشوهات والتحديات لإعمال نصوصها على أرض الواقع، حيث كانت الأولوية لصائغي هذه الدساتير هي تكريس السلطة في يد النخبة الحاكمة التي هم جزء منها مع المحاولة لإضفاء الشرعية على الأنظمة الحاكمة ومواكبة متطلبات الحياة الإجتماعية للأفراد المجتمع.

 

وفيما يلي سنتناول دساتير السودان منذ فترة ما قبل الإستقلال حتى تاريخه

 

🛑 قانون الحكم الذاتي 1953م:

وتم أصدره في العام 1953م كوثيقة دستورية مؤقتة تمهد للإستقلال، وأنشأه الانجليز قبل الاستقلال لوضع اللبنات الأولى لشكل الدولة حيث حددت صلاحيات الحاكم العام وأسس أول برلمان سوداني إضافة لعملية السودنة وهي إحلال الموظفين السودانيين مكان الأجانب في إدارة الدولة.

 

🛑 مشروع دستور 1956م:

بعد الإستقلال في العام 1956م تشكلت حكومة الديمقراطية الأولى برئاسة إسماعيل الأزهري ثم عبدالله خليل، وقد شرع البرلمان في تلك الفترة في صياغة دستور السودان المؤقت للعام 1956م الا أن المشروع لم يكتمل حيث قطع الطريق عليه إنقلاب الفريق إبراهيم عبود في العام 1958م.

 

🛑 الدستور الإسلامي 1965م:

بعد سقوط حكم عبود بانتفاضة 1964م وتشكل الديمقراطية الثانية، بدأت الأحزاب السياسية في مداولات حول شكل الدستور وما هو الدستور الأصلح لحكم السودان فيما عُرف لاحقاً بصراع الدستور وكان ذلك في العام 1965م والذي كان بين الجبهة الإسلامية بقيادة حسن الترابي وحزب الأمة القومي بقيادة الصادق المهدي وزعيم الطائفة الختمية السيد علي الميرغني.

 

والحدث الأبرز في هذه الفترة هو إتفاق الثلاثة الأخيرين على حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان ورفضهم لقرار المحكمة العليا بعدم دستورية القرار، ما حمل الحزب الشيوعي للقيام بإنقلابه في العام 1969م بقيادة العقيد جعفر نميري وقتها والذي أسقط الحكومة التي كان فيها الزعيم الأزهري رئيساً للدولة آن ذاك ومحمد أحمد المحجوب رئيساً للوزراء وبدوره سقط معها مشروع الدستور الإسلامي.

 

🛑 الدستور الدائم للعام 1973م:

بعد إنقلاب النميري تم عمل أول دستور مكتوب في تاريخ السودان في العام 1973م، حيث تمت صياغة ليمثل للإطار القانوني والسياسي لثورة مايو، إذ كرس السلطة في يد الرئيس نميري ومنحة سلطات واسعة في تعيين الوزراء وحل البرلمان، كما نص صراحة على أن حزب الإتحاد الإشتراكي السوداني هو التنظيم السياسي الوحيد المسموح له بممارسة النشاط السياسي في الدولة وحظر التعددية الحزبية تماماً.

 

وتكمن الأهمية الكبرى لهذه الدستور في أنه نجح في إيقاف الحرب الأهلية في جنوب السودان لمده 11 عام، والتي كانت قد استمرت لـ 17 عاماً من ذلك التاريخ، وجاء ذلك بعد النص فيه على بنود اتفاقية أديس أبابا الاولي في العام 1972م والتي تم توقيعها بين حكومة السودان وحركة تحرير السودان وبناء عليها أُنشئ المجلس التنفيذي العالي لجنوب السودان والذي مثل الركيزة الأساسية لنظام الحكم الذاتي لأقاليم الجنوب الكبرى (بحر الغزال، أعالي النيل، و الإستوائية) حيث منحها حق إدارة شؤونها داخلياً، ما ساهم بشكل مباشر في إيقاف الحرب.

 

ومن أهم التحولات التي طرأت على هذا الدستور والتي تعد أهم التحولات في تاريخ السودان ككل هي قرارات نميري بتطبيق قواعد الشريعة الإسلامية وذلك في العام 1983م حيث تم تعديل الدستور لتتوافق القوانيين الجنائية والمدنية مع قواعد الشريعة الإسلامية، إضافة لنقض اتفاقية السلام الموقعة مع حركة تحرير السودان في العام 1972م ما قاد الى إندلاع حرب الجنوب الثانية مع الحركة بقيادة جون قرنق.

 

🛑 الدستور المؤقت 1985م:

في العام 1985م اندلعت الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بالرئيس نميري بعدها إنحاز وزير الدفاع آن ذاك الفريق أول عبدالرحمن سوار الذهب للثورة الشعبية وعطل العمل بدستور 1973م وكون مجلس عسكري حكم البلاد لفترة انتقالية لمدة سنة واحدة اجريت بعدها انتخابات سلم بموجبها سوار الذهب السلطة والتي فاز فيها الصادق المهدي كرئيس للوزراء وأحمد الميرغني رئيساً لمجلس رأس الدولة، وقد دأبت الأحزاب في العمل على مشروع الدستور الدائم في تلك الفترة إلا أن إنقلاب الجبهة الإسلامية كان أسرع وذلك في العام 1989م.

 

🛑 دستور  التوالي السياسي 1998م :

في العام 1989م قامت الجبهة الإسلامية بقيادة الدكتور حسن الترابي بإنقلابها والذي أصبح بموجبه العميد عمر البشير رئيساً للبلاد، وقد كان السودان في تلك الفترة يُحكم بمراسيم دستورية تصدر من مجلس قيادة الثورة حتى تم في العام 1998م ما يُعرف بدستور التوالي السياسي والذي إستمر العمل به حتى دستور 2005م الإنتقالي.

 

وقد عزز دستور 1998م من الهوية الإسلامية للدولة حيث أقر حاكمية الشريعة الإسلامية او ما عرف لاحقاً بالمشروع الحضاري الإسلامي للجبهة الإسلامية، كما قنن الدستور بشكل نهائى لنظام الحكم الفدرالي في السودان وقسم البلاد الى 26 ولاية لكل ولاية واليها ومجلسها التشريعي الخاص وسلطاتها التنفيذية المستقلة نوعاً ما، الإ أنه رغم ذلك ظلت السلطة المركزية هي المتحكم الأول والأخير في الدولة حيث منح الدستور سلطات واسعة لرئيس الدولة في عزل وتعيين ولاة الولايات وحل المجالس التشريعية الولائية.

 

🛑 دستور 2005م الإنتقالي:

في يناير 2005م تم توقيع اتفاقية نيفاشا للسلام الشامل بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الدكتور جون قرنق، وترتب على ذلك صياغة دستور السودان الإنتقالي لسنة 2005م على أن تستمر الفترة الإنتقالية لمدة 5 سنوات حتى عام 2011م، ومن ثم يتم عمل استفتاء شعبي يحدد حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.

 

ويعتبر هذا الدستور من أهم وأشمل الوثائق الدستورية التي عالجت قضايا السودان وعلى رأسها إنهاء الحرب بين الشمال والجنوب التي استمرت لمده 50 عام إضافة لقضيتي الدين والهوية في الدولة، كما أعاد صياغة شكل الدولة ومنح كل من الشمال والجنوب صفة استقلالية ثنائية وحدد مصادر التشريع في كل منهما حيث أبقى على الشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي للتشريع في الشمال السوداني واعتمد القيم المسيحية والأعراف المحلية مصادراً للتشريع في الولايات الجنوبية.

 

ولكن نجد أن أهم ما يؤخذ على دستور 2005م هو وجود البند الإلزامي بإجراء استفتاء تقرير المصير لجنوب السودان عند إنتهاء الفترة الإنتقالية ما أحال الإستفتاء الى حتمية لا مناص منها والذي صوت فيه شعب الجنوب للإنفصال بأغلبية ساحقة، وفي 9 يوليو 2011م أُعلن الإنفصال رسمياً وأعلنت معها دولة جنوب السودان إستقلاها عن شماله في واقعة يراها الكثير مأساوية وما زال الشمال السوداني يدفع تبعاتها حتى الآن.

 

مع إعلان استقلال دولة جنوب السودان انتهي العمل رسمياً بدستور 2005م الإنتقالي بشكله القديم ومن ثم قام السودان بتعديله بما يتوافق مع الشكل الجديد للدولة.

 

🛑 الوثيقة الدستورية للعام 2019م:

بعد الثورة السودانية في ديسمبر 2018م والتي أدت إلى سقوط نظام الإنقاذ بقيادة عمر البشير تكون مجلس عسكري لقيادة البلاد وقام بعمل شراكة بينه وبين مجموعة إعلان قوى الحرية والتغيير والتي تمثل القوى السياسية المدنية السودانية، وقد قامت هذه الشراكة بإلغاء العمل بدستور 2005م وصياغة الوثيقة الدستورية في العام 2019م لتقوم مقام الدستور

الحاكم للسودان وأعتبارها الوثيقة الرسمة لنظام الحكم، وفي تقديري تعد هذه الوثيقة من اسوأ الدساتير التي صيغت في تاريخ السودان فالوثيقة بشكلها القديم تمت صياغتها بصورة سياسية أكثر من أنها قانونية دستورية فقد رسخت لحكم القوى السياسية المدنية بصورة دكتاتورية وحصرت عدد كبير من السلطات في يدها وأكبر ما وقع فيها من خطأ -ونحن نحسبه من قبيل التعمد وليس الخطأ- أنها خلطت بين سلطات الدولة الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية.

 

في العام 2020م وبعد إنضمام الحركات المسلحة وإنخراطها في عملية السلام ووقف الإقتتال تم التوقيع على إتفاقية جوبا للسلام مع الحركات المسلحة وبناء عليه تم تعديل الوثيقة الدستورية وذلك بإضافة بنود الإتفاقية لبنود الوثيقة الدستورية، حيث أقر التعديل تعديلات جوهرية منها توسيع مجلسي السيادة والوزراء لتمكين قادة الحركات المسلحة من الإشتراك في السلطة إضافة لتصفير الفترة الإنتقالية.

 

في أكتوبر 2021م أعلن رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان حالة الطوارئ في البلاد وقام بتعطيل عدد من مواد الوثيقة الدستورية في مقدمتها المواد التي تُنظم الشراكة وانتقال السلطة للقوى المدنية ما أنهى هذه الشراكة بصورة رسمية، ويرى البعض أن ما قام به البرهان هو إنقلاب عسكرى على السلطة المدنية في ذلك الوقت وفي الإتجاه الآخر يراه البعض حركة تصحيحه لتجنيب البلاد سيطرة القوى المدنية على المشهد السياسي متهمينهم بالإرتهان للخارج.

 

بعد اندلاع حرب التمرد بواسطة الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو في السودان في ابريل 2023م وبدعم من بعض القوى السياسية المدنية التي كانت جزءً من السلطة، ظهرت عدد من المعطيات الجديدة التي حتمت إجراء بعض التعديلات على الوثيقة الدستورية كما أن رئيس مجلس السيادة وجدها فرصة لزيادة تكريس حكمة والحفاظ عليه لأطول فترة، فالوثيقة كما أسلفنا تمت صياغتها بصورة سياسية أكثر من أنها قانونية دستورية قائمة على دكتاتورية مدينة هى الأولى من نوعها في تاريخ السودان إضافة لإشتمالها على عدد من النصوص بتنظيم العمل مع قوات الدعم السريع المتمردة وبعض الفصائل المدنية الداعمه لها، وعليه فقامت التعديلات على حذف هذه النصوص وزيادة عدد مقاعد العسكريين من أعضاء مجلس السيادة الى 6 أعضاء بدلاً من 4 ومنحت مجلسي السيادة والوزراء سلطة التشريع في حال غياب البرلمان، وما زال العمل بها ساري حتى الآن.

 

 

إن الناظر للتجارب الدستورية في السودان يجد أنها أغفلت وبشكل أساسي أهم لبنات ومصادر صياغة الدستور وهي البنية الثقافية للمجتمعات السودانية سواء كانت الدين او الهوية او العرق او الأعراف والقيم المحلية وهي التي تُمثل السواد الأعظم من شعب السودان بدلاً عن النُخب الحضرية.

 

وما يُؤخذ على جميع النُخب التي صاغت دساتير السودان المختلفة انها جميعها إشتركت في حمل تركة الإستعمار من مركزة السلطة في الدولة بعيداً عن البِنى الإجتماعية الأخرى في الإقليم السودانية المختلفة، وهذا السلوك خلق نوع من الإنفصال بين هذه المجتمعات والدولة حيت أصبحت تنظر لهذه الأخيرة بصورة المُستعمر الذي يريد ان ينهب ثروات اراضيهم البكر، كما إستغل زعماء وقادة هذه المجتمعات هذا الإنفصال لمجتمعاتهم عن الحكومات المركزية في تحويل هذه النظرة إلى عداء وتحويل هذه المجتمعات الى وسائل ضغط على الحكومات لتحقيق بعض المنافع العامة والكثير من الشخصية، وعليه فإن إنفصال الحكومات المركزية ومراكز إتخاذ القرار في الحكومات السودانية المتعاقبة أدى الى ترسيخ مفهوم فوقية هذه النُخب والحكومات على مجتمعات الاقاليم المحلية.

 

إننا نرى أن المشكلة الاساسية التي صاحبت معضلة الدستور في السودان في مختلف الحِقب هي عدم وجود الجهة الحامية للدستور والتي تحفظه وتصونه من أي عبث يصدر من السلطات التشريعية او التنفيذية وما وجد منها لم يكن يستطيع ان يقوم بمهامه على الوجة الأكمل لتغول هذه السلطات على القرار في الدولة وذلك منذ مجلس الشيوخ في العام 1955م الذي كان رقيب دستوري على عمل الحكومة التنفيذية والذي تم حله بواسطة النُخبة السياسية الحاكة آن ذاك، حتى تعطيل إنشاء المحكمة الدستورية منذ سقوط نظام الإنقاذ حتى الآن، ما يجعل الوثيقة الدستورية الحالية عُرضه لمزيد من العبث والتعديلات، ويهدد إستقرار الحياة السياسية في البلاد بشكلها العام.

 

إن وجود جهاز مستقل حامي للدستور هو من أهم أسباب الإستقرار السياسي في الدولة حيث أن عدم وجوده يجعل الدستور عُرضه للتدخلات السياسية والتعديلات التي تخدم فئات ونُخب معينة ما يُفقد الدستور هيبتة ومكانته القانونية كأب للقوانين ونظام حكم أساسي للدولة، كما يجب الخروج من إرث الدولة المركزية وإعادة تعريف شكل الدولة وصياغة الدستور بناء على معطيات الواقع السوداني.