السودان: حرب الوجود.. مشاهدات من على شرفة الميناء البري تزحلقات نظام الإنقاذ (3)-أ. ياسر الفاضلابي

السودان: حرب الوجود.. مشاهدات من على شرفة الميناء البري  تزحلقات نظام الإنقاذ (3)-أ. ياسر الفاضلابي

لم يُفرِّج لقاء الشيخ الترابي همَّ العاملين في حقل “الدعوة إلى الله” في أعزِّ قطاعاته وأكثرها عطاءً، وإنما زاد أحمالهم وضاعف الهواجس. يومها، وبعد مغادرة الشيخ الترابي، أُعلن أنكم “معزومون” من الرئيس البشير لتناول وجبة الإفطار الرمضاني. تأهبنا عصراً، وجاءت العربات لتقلَّ المؤتمرين إلى بيت الرئيس داخل القيادة العامة، حيث وجدنا المكان، قبيل المغيب، وقد جرى إعداده ليستوعب الألف أخ.

وجدنا كل شيء مرتباً، وحتى تُتم إفطارك كان عليك أن تمر بأربعة مواقع؛ مائدة تشبه “السلطة”، وقد علّقنا عليها بأنها “رسالة” أكثر من كونها مظهراً لكرم الضيافة، وإن كان ذلك هو الظاهر. وجدنا أن الرئيس خارج المنزل، واعتذر المعتذرون نيابةً عنه بأنه مرتبط بإفطار مع الشرطة، لكننا وجدنا الشيخ أحمد علي الإمام -رحمه الله- وبهاء الدين حنفي، ونخبة من الإخوان ذوي الطابع الفكري، الذين طالعنا كتبهم في “رسائل البعث الحضاري” التي أعدها قطاع الطلاب من أجل حسم بعض الجدل الفقهي والفكري في قضايا تمس الحقل الطلابي الذي نتحرك فيه. كان حضور هؤلاء مقصوداً بما يتناسب مع الحوار المرتقب مع الطلاب، إذ لم تعد الأشياء تمر علينا عفواً.

انتهى الإفطار، وأُديت الصلاة، وخرجنا من المسجد، وفجأة رأيت رجلاً يرتدي بذلة إفرنجية يمر من أمامنا مسرعاً، وعربة رئاسية يرفرف عليها علم السودان. وما هي إلا لحظات حتى ترجل منها الأستاذ علي عثمان محمد طه. نزل وعلى وجهه تلك الابتسامة المعهودة التي “صُبغ” بها، حتى بات يصعب تفسيرها بوصفها عنواناً للسرور. لم يتقدم نحوه سوى محمد سليمان جودابي وآخر، بينما جعل الجميع بينهم وبينه “برزخاً”، وفي ذلك رسالة عتاب؛ إذ كيف لرجلٍ قدّمه الشيخ الترابي على إخوانه وأقرانه، وتخطى به الرقاب، وجعله يسبح على يديه عبوراً للُّجج ومراساً في الحجج، أن يقف بالعدوة القصوى إلى جانب العسكر، ويكون في الصف الآخر!

بعد مجيء الأستاذ علي عثمان، ومع وجود ثلة من الإخوة الكبار، بدأ الحديث يدور حول ترتيب المكان للقاء الرئيس في بيته، لكن هذا الهمس قوبل باحتجاج جهير، رافضاً اللقاء إلا في “قاعة الشهيد الزبير” كما خُطط له. أحداث صغيرة بدأت تتجمع كسحب ممطرة، جعلت المناخ متوتراً إلى الدرجة التي خرج فيها الطلاب من بيت الرئيس قاصدين القاعة، حيث اعترضت قوة من مراسم البيت بأن الخروج ممنوع إلا عبر المركبات، لكن الطلاب، دوماً، متمردون؛ فرفضوا ذلك وخرجوا راجلين.

وصلنا إلى قاعة الشهيد الزبير، فوجدنا إخوة كباراً يطوفون بالقاعة يريدون الدخول، منهم المرحوم مجذوب الخليفة -عليه الرحمة- والبروفيسور إبراهيم أحمد عمر. جرى جدل رافض لدخولهم، لكن مع الرجاء سُمح للبروفيسور إبراهيم بالدخول. انتظم الطلاب داخل القاعة، وتولت العناصر الطلابية تأمينها، وأُخرجت مظاهر الحراسة العسكرية، وبعدها دخل الأستاذ علي عثمان محمد طه، ولم يكن مرحباً به.

بدأت الحمولات تتثاقل، والغضب يتفجر، وما هي إلا لحظات حتى دخل الرئيس إلى القاعة. قام أمين قطاع الطلاب “صلاح صاغة” بالترحيب بالرئيس والأستاذ علي عثمان، ثم تحدث عن الحاضرين وشيء من مجاهدات الحركة، قائلاً:

“إن ثمار هذا التاريخ الطويل من الوعي والمجاهدة، إن لم تسعفنا في تقويم ما ظهر من اعوجاج، يصبح القرآن الذي قرأناه في حناجرنا لم يبلغ قلوبنا.”

أثار حديث أمين الطلاب حفيظة الأستاذ علي عثمان، فبدأ برفض ما اعتبره “تهديداً” من أمين قطاع الطلاب، وتحدث ممتعضاً بعض الشيء، ثم مضى في حديث أقرب إلى الطابع الأكاديمي، مستعرضاً ابتلاءات الحركة منذ عام 1949، بوفاة المؤسس الإمام الشهيد حسن البنا، واسترسل في السرد التاريخي حتى وصل إلى عام 1999، عام القرارات التي اتخذها الرئيس البشير.

ثم أنهى حديثه واستأذن للخروج، لكن طلبه قوبل باحتجاج واسع؛ إذ كيف يتحدث، في ظل أزمة حركية يأخذ عليه الإخوان أنه أحد عرّابيها، ثم لا ينتظر ليسمع منهم! غير أن أمين الطلاب طلب من الحاضرين السماح له، فخرج.

بعد ذلك تحدث الإخوة في فرص متعددة، فأخرجوا “الهواء الساخن” بوعيٍ عبّر عن قوة هذه الحركة وهي عند مفترق الطرق، حيث واجه شباب في أعمار العقد الثالث الرئيس البشير بكل ما له من ألقاب ومسؤوليات. وتجلت عظمة الرئيس في أنه تقبل ذلك بصدر رحب وطيب خاطر، ولم يخرج عن وقاره، إذ جاء حديثه موغلاً في التفاصيل التي حاول من خلالها تبرير تجاوزات التنظيم دون اعتبار للدولة ومظهرها، خاصة في الملفات الخارجية، وهو ما كانت تُقاطع فيه أحاديثه، حتى وهو يطلب من الناس الهدوء ليكمل حديثه. فما أعظمه من قائد، وما أعظمها من حركة حية.

بانتهاء هذا اللقاء انتهت تلك اللحظة المجيدة، وانقطعت أنفاس الحركة الناصحة التي تخاف على فكرتها، ولا تخشى في ذلك لومة لائم. وكان العنوان الأبرز الذي رجعنا به أن هذه الحركة لم تعد سيدة على هذا المشروع، وأن الدولة لن تعود إلى “بيت الطاعة الحركي”، وأن الضغوط الخارجية وضعت يدها على مفتاح الدخول، ولن تقف عند هذا الحد.

نواصل..