وقعت الواقعة يومئذٍ، وتفاصل الإسلاميون على إثر تحييد المؤسسة التنظيمية المتفق عليها كمنصة لإدارة الاختلاف وحسم الخلاف. كان البروفيسور عبد الرحيم علي رئيساً لـ«الشورى»، وهي جهاز الضبط والمراقبة والتصويب والمحاسبة، فتمنّع وماطل وسوّف في عقد المؤسسة بعضويتها المعروفة اسماً وعدداً. وتحول هو وآخرون إلى لجنة سُمّيت «رأب الصدع»، ودخلوا في مغالطات عديدة، وهو يحمل – في تقديري – الوزر الأكبر فيما أصاب الحركة من تداعيات انعكست على البلاد بأسرها. وكانت تلك اللجنة بمثابة الخنجر المسموم في خاصرة الحركة.
وتوالت بعد ذلك لجان أخرى؛ واحدة سُمّيت «التوفيق والتحكيم»، وأخرى «التصافي والتآخي»، ثم لجنة «الاثني عشر» التي كان يقودها المرحوم الدكتور مجذوب الخليفة. حاولت هذه اللجان أن تخدّر الإخوان بشيء من السعي إلى الحل، بينما كان الحل بين أيديهم في المؤسسات التي حُرمت من حقها في الحضور والقيام بدورها من أجل مشروع «الإنقاذ الثانية».
وهنا، في «أرض المعسكرات» (مقر الطلاب)، تمت الدعوة إلى مؤتمر لحسم الأمر. وقد سبقه طواف من قادة قطاع الطلاب الاتحادي على الولايات، ودعوة الهياكل المختلفة، وتوثيق إفاداتها بالكاميرات. جاء الناس إلى أرض المعسكرات مجيئاً يختلف عن كل مجيء؛ ليشهدوا على فراق كان يُرجى أن يكون بإحسان.
وجرت مماطلات قبل الدخول إلى القاعة لحسم الأمر، بينما انشغل البعض بالسعي إلى استقطاب الآخرين، في حراك لا يقلب الوحدة ولا يدعو إليها، ولا يبحث عن اتخاذ موقف من هذا القطاع المؤثر ليكون عاصماً للحركة من الفرقة والشتات.
دخلنا إلى القاعة، وانعقدت الجلسة في أجواء مشحونة بالاتهامات لقيادة الطلاب بالميل نحو السلطة. وكان من المخزي – أولاً – تحييد أمناء القطاع في الولايات والهياكل الاتحادية، الذين بلغ عددهم ثمانين شخصاً، ثم استدعاء أمناء الجامعات ليعرض كل منهم موقف جامعته.
كان كل أمين جامعة يصعد إلى المنصة ويقول: «أنا أمين جامعة كذا، وعدد العضوية كذا، وقد عقدنا مؤتمراً، وكانت نتيجة التصويت كذا للقصر (البشير)، وكذا للمنشية (الترابي)». هكذا كانت الصورة.
وحسمت الجامعات أمرها لصالح «المنشية» حيث الشيخ الترابي، ولم يشذ عن ذلك – فيما أذكر – سوى عدد قليل من الجامعات التي اعتذرت عن عدم حسم موقفها.
بعد ذلك خرج المؤتمرون إلى بيت الشيخ الترابي لتجديد البيعة للتنظيم في موكب مهيب وموقف مشهود. وعلى أبواب البيت، الذي مثّل محوراً للحركة والتاريخ، قابلنا الشيخ الترابي – عليه من الله الرحمة والرضوان – والشيخ عبد الله حسن أحمد، والشيخ إبراهيم السنوسي، وعثمان عبد الوهاب، وقيادات كان لها الفضل – بعد الله – في قيام «الإنقاذ المشروع».
المهم أن خروج الطلاب وانحيازهم للفكرة، وإدبارهم عن نظام الإنقاذ الجديد، كان له أثر بالغ على الدولة التي تقودها «الحركة المنشقة». فقد خلا قطاع الطلاب من كادره الأساسي في الجامعات والولايات. وعلى سبيل المثال، في ولاية نهر النيل، خرج معنا حتى سائقو العربات، فتم جر بعض المركبات بقاطرات لعدم وجود من يقودها.
أما الجامعات، فقد أصابها الشلل، وأصبح النظام عاجزاً عن مقاومة الأعداد الكبيرة التي تحولت إلى سيف مسلط على السلطة التي كانت تحرسها وتمثل لها صمام أمان. كما انحسر التقدم في العمليات العسكرية، وتم نزع السلاح من المجاهدين في بعض المواقع القتالية وهم في مواجهة العدو؛ خوفاً من أن يتخذوا مواقف تحميها القوة المسلحة. وامتد الأثر كذلك إلى المؤسسات الاستراتيجية والخدمة المدنية بمختلف قطاعاتها.
وبالمفاصلة مع شيخ الحركة ومنع المؤسسات الحركية من الاجتماع، حدث فراغ كبير. وقد حاول نظام الإنقاذ الجديد تعويض هذا الفراغ باستقطاب واسع، عماده الوظائف والمال الذي كان متوفراً بوفرة نتيجة تدفق عائدات البترول قبل أشهر قليلة من المفاصلة.
وقد أدى ذلك إلى تعطيل المشاريع الاقتصادية المخطط لها، والتي كان مأمولاً أن تمثل ركائز للاقتصاد الوطني، وذلك تحت ذريعة «التوسعة على الشعب» شكراً له على صبره خلال سنوات الضنك في «الإنقاذ الأولى»، التي – برغم الحرب والحصار – كانت تُعد مباركة لارتباطها بمشروعها والتزامها حدوده وحماه.
ومع تدفق هذا المال، والتعويض البشري الذي لم يكن مدركاً لطبيعة المشروع ولا متشبعاً بأفكاره، تلون الفساد بألوان جديدة وتجذر في مفاصل الدولة، حتى مسّ كبار الإخوان وطيفاً واسعاً من طبقتهم الوسطى التي أُغدقت عليها الموارد والمكاسب.
نواصل..