المقاومة الشعبية بنهر النيل… ميلاد الإرادة… واختطاف القيادة (1-4)٠


    سأقص عليكم، في مدخل هذه المقالات، كيف كان مسرح التحضير قبل إطلاق الطلقة الأولى على صدر الوطن، حتى يدرك الناس عظمة ميلاد الإرادة الوطنية من خلال المقاومة الشعبية. فالأمور تُعرف بأضدادها، كما لا تُعرف قيمة الصحة إلا عند المرض.

    لم يكن المشروع الدولي ليطلق طلقته التي فتحت جرح الوطن إلا بعد أن استوفى الشروط اللازمة لذلك عبر العملاء والوكلاء. فالطلقة التي انطلقت في الخامس عشر من أبريل 2023 لم تكن مفاجئة، خاصة لدى قيادة الدولة وأجهزتها، وإنما كانت قطفًا لثمرة أُنضجت على نار هادئة خلال سنوات، هي عمر مرحلة التحول السياسي التي سُميت بالثورة. فقد بُني ما حدث لبنةً فوق لبنة، على أمل أن يجد الكرسي منتظرًا أصحابه يوم يُسدل الستار وتُطفأ الأنوار.

    ومع دوران رحى الحرب، تكشّف على المسرح للعيان أن حميدتي قد أفرغ السلطة من الداخل، واشترى الشرعية، ليصبح بين عشية وضحاها نائبًا لرئيس مجلس السيادة في دولة لا يملك فيها سوى بضعة آلاف من المليشيات القبلية، تحفّ بها مجموعة من الضباط النظاميين الذين ألحقتهم القوات المسلحة بهذه القوات ضمانًا لانتظامها في سلك الجندية ذي العقيدة القتالية المعروفة. وهكذا بدأ ينمو نفوذه، مستندًا إلى المال الذي بذله أصحاب المشروع الدولي الذي ترعرع في أحضانه.

     كما تبيّن أنه اشترى ذاكرة الوطن، حين أنفق المليارات على الإعلام والقنوات ولفيف من الكتّاب والصحفيين، الذين سعوا إلى تلميع صورته وتخفيف أثر جرائم دارفور التي ارتبط اسمه بها، وتقديمه في صورة رجل البادية البسيط، المعروف بالكرم والسعي للإصلاح بين الناس.

   ثم عمد إلى النخبة السياسية المتعطشة لمن يدعمها، فاشترى صمت العقلاء، وتصفيق الطامعين، وتبعية الجهلاء، فغضّ كثيرون الطرف عن القضايا الوطنية الكبرى، وباعوا شهاداتهم الفكرية والسياسية، وتناسوا شعاراتهم الحزبية.

    كما أسهم في إضعاف القوات المسلحة وإفقارها من كثير من مقوماتها، في وقت كان فيه بعض السفهاء يقللون من شأن قادتها وأدوارها الوطنية، حتى يئس عدد من الضباط والجنود، وبحثوا عن بدائل تحفظ لهم كرامتهم. وكان هو يتلقاهم عند أبواب الخروج ليستوعبهم في قواته، التي أغدق عليها الأموال والعطايا، فتعرف من خلالهم على مواطن القوة والضعف داخل المؤسسة العسكرية.

    وفي تلك الفترة، أحكمت المليشيا حلقات المؤامرة، مستفيدة من الأحداث التي طالت هيئة العمليات، وهي القوة التي كانت تُعد من أهم التشكيلات الأمنية لحماية العاصمة. وسرعان ما آلت إليها مقار محصنة تحيط بالخرطوم، فأصبحت العاصمة في قبضة نفوذها، تشارك القوات الأخرى في حراسة بعض المواقع الاستراتيجية، وتنفرد ببعضها الآخر.

    كما وُضعت أمامها موارد الدولة وإمكاناتها؛ المال طباعةً وتوزيعًا، والذهب تنقيبًا وتهريبًا، حتى أصبحت الدولة نفسها لا تُخفي استدانتها منها لسداد المرتبات.

    وعبر العملاء والوكلاء، جرى تسويق صورته باعتباره رجل سلام، عندما قاد السلطة إلى جوبا للتفاوض مع الحركات المسلحة، مقدّمًا نفسه وسيطًا وصانعًا للسلام مع قوى كان يقاتلها بالأمس. وكان الهدف تهيئة الأجواء للمرحلة التالية من المشروع، وإرسال رسالة إلى النخب والعامة بأن الأقاليم جميعها مظلومة ولها مطالب مشروعة، تمهيدًا لمشروع أكبر يستهدف السيطرة على البلاد أو، عند تعثر ذلك، تحويل مطالب الأقاليم الواردة في اتفاقية سلام جوبا إلى أساس لتقسيم السودان.

     وفي خواتيم البروفات، أخذ هو وشقيقه يتباريان في مهاجمة البرهان والدعوة إلى تفكيك الجيش، عبر خطابات تستهدف الشارع الذي ظل ينظر إلى قواته باعتبارها امتدادًا للجنجويد. لكن المخرج السياسي للمشهد قدّمه في صورة حامي الثورة والمدافع عن أهدافها، والمطالب بتسليم السلطة للمدنيين. وكان هو وشقيقه يكرران مطالبة البرهان بتسليم السلطة، بل ويضيفان: “غصبًا عنك”، في محاولة لتصويره باعتباره العقبة الرئيسية أمام الحكم المدني.

     وهكذا تحرك المشروع الدولي ليستكمل حلقاته الأخيرة، وهو ينظر إلى القصر الرئاسي خاليًا من الحرس إلا من بقايا المليشيات، بينما كان الإعلام بين خافت الصوت ومبشرٍ بفجر جديد، عبر مقالات وتحليلات تمهد الرأي العام لقبول الواقع الجديد.

    وكان العالم يومها يتلقى التقارير من مختلف وسائله، التي تؤكد أن الخرطوم لن تحتاج سوى ساعات قليلة لتقع بالكامل في يد العملاء.

    ويبقى أن أقول إن هذه العملية صُممت بنسبة خطأ تقترب من الصفر، وبعامل زمني لا يتجاوز ساعات معدودة.

فكيف فشلت بعد ذلك، رغم كل ما أُعد لها؟

نواصل…

ياسر الفاضلابي


اكتشاف المزيد من سودان بلس

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اكتشاف المزيد من سودان بلس

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة