لو عمد كاتب إلى كتابة مقال يكون نموذجاً لرداءة المقالات فلن يصيب نجاحاً في تلك الرداءة كالذي أصابته رشا عوض في ذلك الشيء الذي كتبته وسمَّته : (العلمانية وعقدة التاريخ الإسلامي المزيَّف)!!
ولو طُلِب إلى مُتابع لبُؤس المُتقحِّمين لعوالم الفكر بقليل اجتهاد وكثير جراءة، ترشيح مثال ناطق بذلك البؤس لأغنته كتابات رشا عوض حين يستخفَّها تشجيعُ الذين لا يعلمون، وتحدِّثها الأمَّارة بالسوء وب(التوريط) بالكتابة في الفكر.
والكتابة في عالم الأفكار فاضحة، إذْ أنها ليست كأحاديث السياسة اليومية ومغالطاتها تلك التي قد يحجبُ الضجيجُ فيها عاقلَ الصوت، ويغطي غبارها على ساطعِ الحُجة، ويستتر الجاهل فيها ببعض الحِيل والمرواغات.
في عالم الأفكار إما أن يكون الإنسان عالماً بما يقول، على ثقة من الذي عنده، وهو يخاطب به أهلَ نظرٍ وعقول، أو يكون جاهلاً يفترض في الذين يخاطبهم بتخليطه وترهاته جميعاً الجهل.
وقد نصح قديماً شاعرٌ سوداني ضخم ابنه الذي كان يحاول نظم الشعر _ كما تحاول رشا عوض الكتابة في الفكر _ بقوله : ( يا ولدي المجالس دي فيها الناس البتعرف ف دحين شعرك المِتِل … الحمير دا ما تمشي تقوله للناس!)
لكن رشا عوض لم تجد لها ناصحاً ينصحها ، بل وجدت بعض جهلة يصفقون لها، فكتبت شيئاً لا تصلحُ إلا له، ولم يكُ يصلحُ إلا لها!
ولستُ إلى شيءٍ من التعقيب على ذلك الشيء الذي كتبته رشا عوض أقصد، ولا في شيءٍ من تتبُّع مواطن التُّرهات فيه والتخليط والأباطيل اجتهد _ وكلُّ ذلك بلاءٌ قد عمّ فيه _ غير أنِّي ضحكت وأنا أقرأ هذه الفقرة من ذلك الشيء المكتوب : ( المسلمون ساهموا في المجرى التراكمي للحضارة الإنسانية عبر علماء وفلاسفة كان أغلبهم محكوماً عليه _ و”محكوماً” هذه مني، في الشيء الذي كتبته رشا “محكوم” عليه_ للمفارقة، بالكفر والزندقة بواسطة التيار الفقهي المهيمن على الفضاء الثقافي والسياسي ومنهم على سبيل المثال فلان وفلان وفلان وفلان والجعد بن درهم الذي ذبحه والي العراق بأمر الخليفة الأموي يوم عيد الأضحى)!!
الجعد بن درهم حتة واحدة ؟!!
وهو عالمٌ أو هو فيلسوف مسلم، أو هو الاثنان معاً عالمٌ فيلسوف وله إسهام في المجرى التراكمي_ بحسب تعبير الأستاذة _ للحضارة الإنسانية!
ولأننا قلنا من قبل إنَّ الكتابة في عالم الأفكار فاضحة، وهي بالطبع ليست كالكتابة مثلاً عن مواقف البرهان أو أداء كامل إدريس أو تسليم النور قُبَّة أو تصريحات خالد الإعيسر _ فمن حقِّ الجمهور الذي طالع ذلك الشيء الذي كتبته رشا عوض أن يسألها عن اجتهادات (الجعد بن درهم) الفكرية وكسوبه المعرفية التي ساهم بها لا في الحضارة الإسلامية وحدها بل تجاوز بها عند رشا عوض بتعبيرها إلى الإسهام في (المجرى التراكمي للحضارة الإنسانية)؟ !!
الذي أنا منه على يقين أنَّ رشا عوض لا تستطيع أن تكتب عن الجعد بن درهم سطرين جواباً عن هذا السؤال، وربما هي لا تعرف عنه غير اسمه، وغير أنه قتله أمير بأمر خليفة أموي!!
ومقتله هذا هو الذي رفعه عند رشا عوض ضربةَ لازب، فمادام المقتول متهمًا بالزندقة، والآمر بالقتل خليفة في زمان دولة خلافة، فالمقتول بالضرورة كان فيلسوفاً ومفكراً حراً (مستنيراً) ، ثم لابد إن كان لقلة من المسلمين بعض إسهام في (المجرى التراكمي للحضارة الإنسانية) ف (شهيد الفكر) هذا الذي ضاق به وبأفكاره (الظلاميون الرجعيون) المُتحكِّمون في تلك الحقبة_ لابد أن يكون هو أولى علماء المسلمين وفلاسفتهم ومفكريهم بذلك الإسهام!!
هكذا والسلام!!
هكذا هكذا وإلا فلا لا!!
يُقضَى على المرءِ في أيامِ مِحنتِه *** حتى يَرى حَسَناً ما ليس بالحسنِ
وقد أصبح ولاشك منصور خالد عندنا حسناً في أيام رشا عوض والنور حمد!!
صاحب الصورة المُرفقة هو (كارل بوبر) وهو فيلسوف بريطاني من أصل نمساوي، كان أستاذاً كبيراً في جامعة (لندن)، وكانت له نظرات ناقدة لكثير من النظريات الفلسفية والمناهج التي نزلت عند بعض الناس منزلة العقائد الراسخة، كان من تلاميذه الدكتور جعفر شيخ إدريس رحمه الله أستاذ الفلسفة من بعد بجامعة الخرطوم.
يحكي دكتور جعفر أن أستاذه كارل بوبر حاضرهم مرة محاضرة في نقد المنطق اليوناني، وذكر فيها بعض من سبق إلى نقد ذلك المنطق من الأوربيين.
ويحكي دكتور جعفر أنه أراد أن يلفت أستاذه إلى نقد للمنطق اليوناني سابق لنقد الأوربيين، وهو نقد العالم المسلم (ابن تيمية) في كتابه ( نقض المنطق) أو ( الرد على المنطقيين)، فكان رد أستاذه كارل بوبر بعد سماعه تلك المعلومة الجديدة عليه : لكنكم لا تترجمون لنا اجتهادات علمائكم فنحن نظن بذلك أننا سبقنا إلى ذلك لأن ما عندكم لم يصل إلينا!!
بالطبع ابن تيمية بكل قدراته في النظر والاستدلال، وسبقه هذا في نقد منطق أرسطو هو عند رشا عوض مجرد (منغلق) نال مكانته عند المسلمين بروافع (التيار الفقهي المهيمن على الفضاء الثقافي والسياسي)!! ولن يختلف الحال عند عباقرة آخرين من أمثال الإمام الشافعي بإنجازه الضخم (الرسالة) الذي ظهرت فيه عبقريته في التقعيد والاستنباط والقياس، وقل مثل ذلك في الإمام الشاطبي و(موافقاته) التي أسَّس بها للنظر المقاصدي.
أمثال هؤلاء العباقرة لم تذكرهم رشا عوض في القلة التي ذكرت من علماء المسلمين الذين أسمهموا في (المجرى التراكمي للحضارة الإنسانية) فهؤلاء عندها علماء (منغلقون) رفعهم فقط (التيار المهيمن على الفضاء الثقافي والسياسي) ، لكن الجعد بن درهم _ الذي لا تعرفه رشا نفسها _ هو عندها العالم المنفتح (المستنير) والفيلسوف الكبير!!
تخيَّلت حواراً كان يمكن أن يقع لو كانت رشا عوض شاهدة مع دكتور جعفر شيخ إدريس محاضرة أستاذه كارل بوبر بعد أن تسمع دكتور جعفر شيخ إدريس يُنوِّه بكسب لشيخ من شيوخ (تياره المهيمن) عند الخواجات.
رشا عوض : أستاذنا بوبر هل سمعت بالجعد بن درهم ؟
بوبر : لا ، أستاذة رشا، لم أسمع به.
رشا : وهل سمعت بابن تيمية قبل اليوم ؟
بوبر : نعم هو اسم معروف، الجديد عليّ عنه اليوم هي معلومة أستاذ جعفر أنه في بعض مؤلفاته نقد منطق أرسطو.
رشا : هل تدري أستاذنا لماذا سمعت بابن تيمية ولم تسمع بالعالم الفيسلوف الجعد بن درهم ؟
بوبر: لا
رشا: لأن (التيار الظلامي المهيمن) في دول الخلافة الإسلامية كان لا يسمح بانتشار الأفكار الحرة (المستنيرة) مثل أفكار الجعد بن درهم، التي ساهمت في (المجرى التراكمي للحضارة الإنسانية).
بوبر : قناعتي أن الأفكار الجيدة تبقى مهما حُوربت، مثل هذه الأشياء وقعت عندنا كذلك، أين يمكنني أن أجد أفكار هذا الرجل العظيم؟؟
رشا : الجعد بن درهم قُتل بأمر الخليفة الحاكم يا أستاذنا.
بوبر : مؤسف، أين أجد أفكاره العظيمة؟
رشا : الجعد بن درهم ذُبِح يا أستاذنا.
بوبر: يحزنني سماع هذا ، هل يمكنك مساعدتي في التعرف إلى أفكاره؟
رشا : الجعد بن درهم ذُبِح يوم العيد الذي يحتفل به المسلمون يا أستاذنا.
بوبر: أنا حزين لك، واضح أنك تحبين هذا الرجل العظيم جداً أستاذة رشا، العظماء دائماً يتركون هذا الأثر في نفوس تلاميذهم، أين يمكنني أن أجد أفكار هذا الرجل العظيم؟
رشا : لا أعلم أستاذنا.
بوبر _ مصدوماً _ : كيف وأنت قد وقفت عليها وسمعتك تقررين أنها أسهمت في الحضارة الإنسانية ؟!!
رشا : الجعد بن درهم أمر بقتله الخليفة حاكم المسلمين في يوم العيد، ألا يكفي هذا ؟!
بوبر: يكفي لماذا ؟!
رشا : يكفي ليكون عندي عالماً عظيماً (مستنيراً) ومفكراً (حراً) فدولة الخلافة الإسلامية (الظلاميَّة) كانت تعادي الأفكار المستنيرة.
بوبر : نعم، وعلى هذا فهو بالضرورة قد أسهم في الحضارة الإنسانية؟!
رشا عوض _ في نشوة المنتصر وقد تهلَّلت أساريرها _ بصوت مرتفع : نعم يا أستاذنا، أسهم الجعد بن درهم (في المجرى التراكمي للحضارة الإنسانية)!
بوبر يكاد يتميَّز من الغيظ وهو يلعن في سرِّه (الجعد بن درهم) ويلعن (المجرى التراكمي للحضارة الإنسانية) _ : منطقي جداً، أوافقك أستاذة رشا. أراكم في محاضرة الغد، كونوا بخير.