السودان: حرب الوجود.. مشاهدات من على شرفة الميناء البري تزحلقات نظام الإنقاذ (7)

السودان: حرب الوجود.. مشاهدات من على شرفة الميناء البري  تزحلقات نظام الإنقاذ (7)

      كانت مجموعة “السائحون” آخر المجموعات الحركية التي أطلقت نداء العودة إلى الرشد، وأقواها؛ بوصفها تمثل “الكتلة الصلبة” التي أفنت زهرة شبابها وريعان صباها في حراسة المشروع الإنقاذي وتسويقه، وتفانت في ذلك حتى أصبحت معياراً للمصداقية لدى قطاعات واسعة من الشعب.

     قدمت المجموعة مشروعها في تلك الليلة من قلب الخرطوم، وهي تكرم أسر الشهداء على مسرح حاشد تحلق الناس حوله، واستعادوا من خلاله ذكريات الماضي المشرق للحركة. ومن تلك اللحظة بدأت صفحة تستدعي الذكريات وتخشى مواجهة الواقع، إلى أن تداعى أفراد المجموعة وفوضوا لجنة لكتابة مشروع يخاطب الواقع ويقود عملية الإصلاح وفاءً لدماء الشهداء.

    وأذكر يومها أن الأخ إسماعيل محمد فرج الله كتب مقالاً بعنوان: «السائحون.. خطوة إلى الأمام أو الانسحاب»، ختمه بعبارة بليغة: «وليس التباكي بديلاً إن هوى العَلَم».

     نجحت مجموعة السائحون في تحديد وجهة الإصلاح، وبدأت جولات على الولايات للتبشير بمشروعها الإصلاحي، في وقت كانت فيه الأنظمة تتهاوى تحت زحف الجماهير في موجة اجتاحت المنطقة العربية. غير أن “الإنقاذ الجديدة” لم تكن لتحتفي بمن يخرج عليها ناصحاً أو يحذرها من مآلات الأوضاع وضرورة الإصلاح؛ فأغلقت أمامنا كل الأبواب، حتى أبواب الاجتماعات، وحُرمنا من استخدام القاعات التي حملت أسماء الشهداء وشُيدت بجهود إخوانهم وعرقهم.

     في عطبرة، استُقبل الوفد المركزي للمبادرة وعُقد اللقاء في مسجد الحي الشرقي، جوار منزل الشيخ هاشم ميرغني. أما في ولاية البحر الأحمر فكان الأمر أعجب؛ إذ أُغلقت القاعات في وجه الاجتماع، وشُدد على أصحابها ألا يستضيفوا أعضاء المبادرة، ما اضطرنا إلى الخروج إلى أطراف المدينة وعقد اجتماعنا تحت أحد الجسور في أحد الخيران. وكانت هذه الوقائع دليلاً واضحاً على أن الإنقاذ الثانية باتت تخشى حتى أصوات الناصحين المشفقين عليها.

     وبينما كان الناس بين التسديد والمقاربة، والنظام يلفظ كل يوم رهطاً من أبنائه، اندلعت هبة 23 سبتمبر 2013. وكان الجنوب قد ذهب بخير البترول، وشح الوقود، وجف الدولار مع جفاف الموارد، وقل المال الذي أُهدر بلا تقدير، وتزايدت الضغوط من كل اتجاه.

     خرجت الأحزاب ورفعت اللافتات المطلبية، ودعا تجمع المهنيين، في مذكرته آنذاك، إلى تحسين الأجور وبيئة العمل، وتوسيع الحريات السياسية، وإصلاح الأجهزة النقابية. وكانت هبة سبتمبر، في تقديري، أقوى وأعنف من أحداث ديسمبر 2019، غير أن النظام ظل محتفظاً بكتلة تؤمن باستمراره على حاله، كما رفضت الأحزاب والكتل الإسلامية الانضمام إلى الحراك.

     تعرضت مجموعة السائحون لهزة عنيفة، وعلى إثرها عُقد اجتماع طارئ ليلي في منزل أحد الإخوان لتقدير الموقف وتحديد الاتجاه، فيما كانت المظاهرات مشتعلة والمواجهة بين النظام والمتظاهرين قد بلغت ذروتها.

     وبدا أن الإنقاذ الثانية قد أُنهكت بفعل قسوة التعامل مع الأحداث وكلفة الدفاع الأخلاقي عنها. فقد أصبحت مهيضة الجناح، تكاثرت أمراضها وظهرت أعراضها، وتكالب عليها الخصوم، وزهد فيها أبناؤها، ولم يعد لديها مال تهديه ولا ذهب تغري به.

     في تلك الليلة التاريخية، طُرح موضوع اللحاق بالمظاهرات، ورأى بعض الحاضرين ضرورة اتخاذ قرار عاجل بالمشاركة، باعتبار أن ما يجري ثورة لن تتوقف. وتحدث آخرون عن انقسامات داخل الجيش بسبب رفض بعض أفراده شراسة المواجهة مع المتظاهرين.

    أما أنا، فقد طرحت وجهة نظر لم تكن مريحة للبعض ولا مقنعة لآخرين، مفادها أن الخروج بالمبادرة إلى ميدان التظاهر يتطلب تفويضاً جديداً من أهل المبادرة؛ لأنهم كلفونا بالإصلاح، لا بالمشاركة في الحراك السياسي المباشر. ومن أراد أن يشارك في التظاهرات لأسباب يراها، فليفعل ذلك بصفته الشخصية، لا تحت لافتة تحمل اسم “السائحون”.

    وأعود لأقول: لقد كانت الهزة داخل الكتلة الصلبة، ممثلة في السائحون، عنيفة للغاية. فقد حضر بعض الإخوة إلى الاجتماع بعد أن أعدوا اللافتات وجهزوا الشعارات، غير أننا منعنا أي تحرك باسم المبادرة دون تفويض صريح.

    ويومها قال الشيخ فتح العليم عبد الحي، رئيس المبادرة في تلك الدورة، بضرورة «إرجاء الأمر لمزيد من النظر»، باعتبار ذلك منطقة وسطى بين المواقف المتباينة.

     لقد مثلت هبة سبتمبر 2013 درساً مهماً لنظام الإنقاذ الجديد، لكنه خرج منها من غير أن يعتبر أو يتعظ.


اكتشاف المزيد من سودان بلس

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اكتشاف المزيد من سودان بلس

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading