في أكتوبر 2025 شكّل سقوط مدينة الفاشر، بعد أكثر من 500 يوم من الحصار وما يقارب 288 هجوماً عسكرياً واسع النطاق، صدمة تجاوزت حدود السودان إلى المجتمع الدولي بأسره، خاصة في ظل الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والأعمال الوحشية التي أعقبت سقوط المدينة. وقد مثّل ذلك الحدث أحد أكثر التحولات العسكرية والإنسانية خطورة خلال الحرب السودانية.
اتبعت قوات الدعم السريع سياسة النفس الطويل، حيث اعتمدت على الاستنزاف المتواصل من خلال شن مئات الهجمات الشاملة باستخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية الثقيلة، إلى جانب محاولات الاختراق بالعربات الخفيفة والأسلحة الرشاشة، مع فرض حصار كامل على المدينة ومنع وصول المساعدات الإنسانية، بما في ذلك الإغاثة التي كانت تقدمها الأمم المتحدة، الأمر الذي فاقم الأوضاع الإنسانية داخل الفاشر.
في المقابل، اعتمدت القوات المسلحة السودانية على استراتيجية دفاعية سبق أن أثبتت محدودية فعاليتها في عدد من المدن الأخرى. فقد تم إنشاء خنادق دفاعية، ونشر المدفعية الثقيلة في مواقع استراتيجية تكشف تحركات الخصم، مع الاعتماد بصورة كبيرة على سلاح الطيران الحربي الذي ظل يمثل إحدى أهم نقاط التفوق العسكري للقوات المسلحة.
غير أن الهجوم الأخير على الفاشر اتسم بطابع مختلف، إذ اعتمدت قوات الدعم السريع على تكتيك شامل ومتعدد الأبعاد. *فقد استخدمت منظومات صاروخية حديثة مكّنتها من إسقاط طائرتين حربيتين، وهو ما أضعف إحدى أبرز ميزات الجيش السوداني. كما استخدمت الطائرات المسيّرة الاستراتيجية لأغراض الاستطلاع وتصوير مواقع المدينة قبل استهدافها بالقصف. كذلك تم استخدام منصات تشويش أدت إلى قطع الاتصالات بين القيادة العامة والقيادة العسكرية داخل المدينة، إضافة إلى إشراف عبدالرحيم دقلو بصورة مباشرة على سير العمليات. كما شهدت المعركة مشاركة عناصر أجنبية ومرتزقة من دول إفريقية وغير إفريقية، وهو أمر أشار إليه قائد قوات الدعم السريع لاحقاً.*
وعقب سقوط المدينة، انسحبت القوات المسلحة بكامل قواتها وعتادها عبر المحاور والممرات التي تُركت مفتوحة اقوات الدعم السريع إلى الدفع بمزيد من عناصرها لإحكام السيطرة، مع استهداف ما تبقى من القوات النظامية، والسعي إلى أسر أو تصفية القيادات السياسية والعسكرية الموجودة داخل الفاشر.. ولكن الله سلم .
ويبقى الأمل قائماً في ألا يتكرر هذا السيناريو في أي مدينة سودانية أخرى، لما يحمله من تداعيات كارثية تتمثل في الحصار الطويل، والقصف المتكرر، وتهجير السكان، واستنزاف القوات المدافعة، وصولاً إلى شن هجوم شامل تكون نتائجه الإنسانية والعسكرية باهظة الثمن.
أمية يوسف حسن أبوفداية
باحث وخبير استراتيجي مختص في شؤون القرن الإفريقي
القاهرة
٢٠ يونيو ٢٠٢٦
اكتشاف المزيد من سودان بلس
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.