(من الصعب أن تجعل رجلاً يفهم شيئاً، عندما يكون راتبه معتمداً على ألا يفهمه.) ــ الكاتب الأمريكي أبتون سنكلير
▪️ يعرِّف جماعة صمود الحرب بأنها “حرب الإسلاميين”، ويزعمون أنهم من أشعلوها، وبناءً على ذلك صمموا خطابهم على مواجهة الإسلاميين، وصنعت هذه المواجهة انحيازاً قوياً للإمارات والميليشيا يأخذ قوته وجذريته من مواجهة من يعتبرونه عدواً وجودياً، وهذا لم يترك لهم مجالاً لبناء خطاب مختلف لعامة رافضي التمرد والعدوان الإماراتي.
١. تحولت الخصومة للإسلاميين عند قيادات صمود إلى مبدأ منظم لوعيهم السياسي كله، بحيث أصبحت مواقفهم من القضايا المختلفة مشتقة من العداء أكثر من اشتقاقها من تقييم تلك القضايا. وقد تضخم هذا حتى أصبح العدو مرجعاً أعلى من المبادئ، وحدث التطبيق المتطرف لقاعدة “عدو عدوي صديقي” مع تجاهل أن عدو العدو يواجه الأغلبية وليس عدوهم وحده!
٢. وقد صمموا خطابهم لمواجهة الإسلاميين، ولذلك اكتسب لغته ومفرداته وأولوياته من تلك المواجهة، وهذا جعلهم في مواجهة جميع الرافضين للتمرد والعدوان الإماراتي، الذين لا يتعاملون معه بقاعدة عدو العدو صديق! إذ تقوم مواجهة صمود للإسلاميين عادةً على إسقاط أهليتهم، ومن سقطت أهليتهم سقطت حقوقهم، ومن سقطت حقوقهم صار استهدافهم مشروعاً، وحمل تبريره في ذاته، واستحق خصمهم المناصرة. وهذا يسري ــ إلى حد كبير ــ على بقية رافضي التمرد والعدوان الإماراتي لأنهم في خطاب صمود “أعوان للإسلاميين”!
٣. هناك قوى سياسية تحتفظ بخصومتها للإسلاميين، لكنها لا تتعامل بقاعدة عدو العدو صديق، ولا تطورها إلى دفاع عن الإمارات، وهذا يثبت أن الفصل متاح، وأن جماعة صمود يتعاملون بمنطق عدو العدو مختارين وليسوا مضطرين. ولهذا يتهمهم كثير من غير الإسلاميين بأنهم “أعوان العدوان”، وهم يتهمونهم بأنهم “أعوان الإسلاميين”.
٥. ولو قارنا التهمتين سنجد أن الأولى تعني دعم العدوان لمصالح خاصة تتحقق بالتعاون مع أطماع الإمارات في السيطرة، والثانية تعني دعم الإسلاميين في التصدي للأطماع، وليس التصدي لها عن مبدأ. ولا يرى أن التهمة الثانية أصح وأقسى إلا من يتورط في التواطؤ مع العدوان!
▪️ عندما يقول ياسر عرمان: (الدرس الوحيد والفائدة الوحيدة من هذه الحرب هي إن القوى الخشنة للإسلاميين التابعين للمؤتمر الوطني قد بدأت تتدمر، وإنو يجب أن نحول الكارثة إلى منفعة، وأن نبني سودان يسع جميع السودانيين والسودانيات):
١. فإنه لا يستطيع أن يضع خطاً فاصلاً بين “التدمير” الذي يحتفي به والذي لا يحتفي به. فالإسلاميون يشاركون الجيش والقوات الداعمة في معارك الحماية والتحرير، وتدمير الجزء سيمس الكل ويضعف صفه، فمن أين لعرمان احتفاء يصيب هدفه بدقة دون أن يتجاوزه إلى غيره؟
٢. ومن أين له القدرة على منع الناس من ملاحظة أنه لم يتحدث عن تدمير مفيد في الطرف الآخر، ولو كان للمرتزقة الأجانب؟ بل من أين له القدرة على إخفاء ما يتضمنه حديثه من احتفاء بدور المرتزقة في التدمير الذي يحتفي به؟ خاصةً وأن قائد الميليشيا قد أقر بأنهم يقودون سلاح المسيرات، دون تعليق منه ومن بقية رفاقه!
٣. ومن أين له إقناع أغلبية المواطنين الذين يرون في الجيش وداعميه درعاً لحماية مناطقهم، ولتحرير المستباح منها، بأن في تدمير بعض داعميه فائدة تعود عليهم كما تعود عليه؟ فما هو “فائدة وحيدة” في نظره هو خسارة مباشرة في نظرهم، وبينهما هوة لا يملك ما يجسرها.
٤. ومن أين له القدرة على منع المواطنين من ملاحظة أن التعبير “قد بدأت تتدمر” يحمل تغييباً متعمداً للقائمين بالتدمير. أي الإمارات، والميليشيا، وأن الهدف من التغييب هو إخفاء احتفائه بهم وبما “أنجزوه”؟
٥. ومن أين له القدرة على إخفاء ما يحمله قوله “قد بدأت تتدمر” من تفضيل لإكمال ما بدأ، وما يحمله قوله “يجب أن نحول الكارثة إلى منفعة” من مشاركة في التدمير وفي إكماله عبر تشجيعه؟ فمن يستثمر في الكارثة ويدعو الآخرين للاستثمار فيها ينتظر اكتمالها واكتمال فائدته.
▪️ وعندما يقول حمدوك: (حقو برضو الناس تستصحب معاهم “فهم” تاني، الإمارات يمكن الآن أكتر دولة واقفة بشكل استراتيجي ضد الإسلام السياسي، ودا أس البلاء، وعشان كده الحملة عليها، دا غائب تماماً عن ال response بتاعنا ونحن بنتفق مع الإمارات في دا):
١. فمن أين له القدرة ــ وهو صاحب الملكة الجدالية المتواضعة ــ على إخفاء أن اتفاقه مع الإمارات على مشروعها الاستراتيجي يعني القبول بأن يكون السودان ميداناً لتنفيذه؟
٢. ومن أين له القدرة على إيجاد فاصل بين استهداف الإمارات لخصمه واستهدافها لوطنه؟ خاصةً وأنه لا يميز، ولا يبدر منه ما يشير إلى أنه يرفض شيئاً مما تقوم به الإمارات ويدينه!
٣. ومن أين له القدرة على صرف أنظار الناس عن حقيقة أن من يتفق مع طرف على هدفه يقبل ضمناً بالوسيلة التي يختارها لبلوغه، خاصةً إذا ظل يدافع عنه ويهاجم منتقديه، ولا ينتقد الوسيلة!
٤. ومن أين له إقناع ملايين السودانيين غير المنتمين للحركة الإسلامية بأن رفضهم للعدوان على بلدهم ليس موقفاً وطنياً، وإنما “حملة” مغرضة على الإمارات، وأن دافعهم “ساقط” ولا اعتبار له لأنه يقوم فقط على الدفاع عن الإسلاميين؟
٥. ومن أين له القدرة على إقناع الناس بأن كل هذا في جوهره موقف ضد الإسلاميين فقط، وليس ضد وطنه، وضد كل رافضي العدوان؟
كلما أمعنت صمود في مخاطبة الناس بخطاب صممته أصلاً لمغالبة الإسلاميين، استفزت الجميع، وازدادت عزلتها، وازداد رهانها على العدوان، وسقطت أخلاقياً معه، وارتبط مصيرها السياسي بمصيره.
اكتشاف المزيد من سودان بلس
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.