عندما يتحدث كثير من الناس عن الحركة الإسلامية في السودان فإنهم غالباً يربطونها بمرحلة الحكم التي بدأت عام 1988م وانتهت بسقوط نظام الإنقاذ في عام 2019م غير أن هذه القراءة في تقديري تتجاهل حقيقة أساسية وهي أن الحركة الإسلامية لم تبدأ مع السلطة ولم تنته بخروجها منها بل هي نتاج مسار طويل امتد لأكثر من سبعين عاماً داخل المجتمع السوداني..
وفي الأصل لم تكن الحركة الإسلامية سوى مجموعة من الشباب السودانيين الذين تشكل وعيهم في ظل صعود التيارات اليسارية والقومية العربية خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي وكان السودان بحكم طبيعته الاجتماعية والثقافية مجتمعاً شديد الارتباط بالدين الأمر الذي دفع هؤلاء الشباب إلى البحث عن مشروع إسلامي يعبر عن هوية المجتمع ويواجه التيارات الفكرية التي كانت تزداد حضوراً داخل الجامعات ومؤسسات التعليم ومع مرور الوقت انتقلت هذه المجموعة من مجرد حالة التزام أخلاقي وفكري إلى عمل دعوي منظم ثم إلى مشروع إصلاحي ثم إلى تيار سياسي يسعى إلى التأثير في الدولة والمجتمع وخلال هذه الرحلة مرت الحركة بعدة محطات تنظيمية وسياسية من جماعات الدعوة الأولى إلى الإخوان المسلمين ثم جبهة الميثاق الإسلامي وصولاً إلى الجبهة الإسلامية القومية..
وكان انقلاب مايو 1969م نقطة تحول مهمة في وعي الإسلاميين السودانيين إذ دفعهم إلى التفكير بصورة أعمق في قضية الدولة والسلطة وأدوات التأثير السياسي ومنذ ذلك الوقت بدأت الحركة تبني مؤسساتها التنظيمية بصورة أكثر تعقيداً وتوسعت في العمل السياسي والاجتماعي مع استمرار وجود تيارات داخلها فضلت التركيز على العمل الدعوي والتربوي..
وعندما وصلت الحركة الإسلامية إلى السلطة عام 1989م دخلت مرحلة جديدة هي مرحلة الدولة والتمكين وخلال هذه المرحلة سعت إلى إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق رؤيتها السياسية والفكرية وتمكنت من بناء نفوذ واسع في مجالات السياسة والاقتصاد والتعليم والإدارة والخدمة العامةغير أن تجربة الحكم واجهت تحديات كبيرة من بينها مشكلات السلطة نفسها وما يرتبط بها من ضعف في الرقابة والمحاسبة إضافة إلى التحديات المرتبطة بإدارة التنوع السوداني وتعقيدات الدولة الحديثة ومع مرور الزمن بدأت تظهر خلافات داخلية حول العلاقة بين التنظيم والدولة وبين الفكرةوالسلطة.
وقد بلغت هذه الخلافات ذروتها في مفاصلة عام 1999م التي خرج بموجبها الدكتور حسن الترابي ومجموعته لتأسيس المؤتمر الشعبي بينما استمر المؤتمر الوطني في قيادة الدولة ورغم أن المفاصلة أحدثت انقساماً سياسياً كبيراً فإنها لم تؤد إلى تفكيك البنية الاجتماعية التي تشكلت خلال العقود السابقةوهنا تكمن النقطة الأهم في فهم الحركة الإسلامية السودانية فخلال الفترة الممتدة من أواخر الأربعينيات وحتى نهاية التسعينيات أي خلال ما يقارب نصف قرن لم تكن الحركة تبني تنظيماً سياسياً فقط بل كانت تبني مجتمعاً كاملاً من العلاقات والمؤسسات والروابط الاجتماعية والثقافية والمهنية وفي كل مرحلة كانت بعض المجموعات تتوقف عند محطة معينة بينما تواصل مجموعات أخرى التقدم إلى محطة جديدة لكن الجميع ظل جزءاً من الإرث الاجتماعي الذي صنعته الحركة..
ولهذا السبب لم يكن من السهل اختزال الحركة الإسلامية في المؤتمر الوطني أو المؤتمر الشعبي أو أي تنظيم سياسي بعينه فالتنظيمات كانت تتغير أما الامتداد الاجتماعي فقد ظل قائماً ومتجذراً داخل قطاعات واسعة من المجتمع السوداني.
وعندما سقط نظام الإنقاذ في عام 2019 اعتقد كثيرون أن الحركة الإسلامية انتهت سياسياً واجتماعياً لكن التطورات اللاحقة كشفت أن ما سقط هو السلطة السياسية أما البنية الاجتماعية والفكرية التي تراكمت خلال سبعين عاماً فقد ظلت موجودة ومؤثرة بدرجات متفاوتة.
ومن هنا فإن فهم السودان المعاصر لا يمكن أن يتم من خلال دراسة الأحزاب السياسية وحدها بل يتطلب فهماً أعمق للحركة الإسلامية باعتبارها ظاهرة اجتماعية وثقافية وسياسية تشكلت عبر عقود طويلة وتجاوز تأثيرها حدود التنظيمات والأحزاب إلى فضاءات أوسع داخل المجتمع والدولة..
ولعل أحداث ما بعد 2019م وما أعقبها من صراعات وتحولات كبرى تمثل اختباراً جديداً لهذه الظاهرة وتفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من تاريخ السودان لا تزال نتائجها النهائية قيد التشكل..
اكتشاف المزيد من سودان بلس
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.