السودان: حرب الوجود.. مشاهدات من على شرفة الميناء البري تزحلقات نظام الإنقاذ (2)

السودان: حرب الوجود.. مشاهدات من على شرفة الميناء البري  تزحلقات نظام الإنقاذ (2)

أ. ياسر الفاضلابي

جرى التنوير ـ كالمعتاد ـ من مكتب الطلاب بالولاية، وفقاً للإشارة الواردة من مكتب الطلاب الاتحادي، بأن هنالك بعض التوترات بين الحكومة و”الحركة”، مما جعل الرئيس يتخذ هذه القرارات لتقييد عمل المجلس الوطني إلى حين. وزاد البلاغ موضحاً بأن مجلساً يقوده الشيخ حسن، سوف تنطمس معه معالم الحكومة مهما كانت قوتها.

المهم، خُتم الاجتماع بالإفادة بأن هذه التوترات مقدور عليها، ثم نزل التكليف بأن مؤتمر الطلاب الاتحادي الدوري سيُعقد يوم السابع من رمضان، وكانت القرارات قد صدرت يوم الرابع من رمضان.

وعلى المكتب الولائي ترتيب أوضاعه للسفر، وبالفعل وصل الوفد إلى الخرطوم للمشاركة في المؤتمر، حيث تم توزيع جدول الأعمال الذي كان من المفترض أن يستمر ثلاثة أيام كعمل روتيني. إلا أن أحد الإخوة تقدم إلى المنصة وألقى خطبة عصماء قال فيها:

“لا معنى لأي نقاش في أوراق أو الخروج بتوصيات ما لم نعرف المصير فيما يجري”.

وتعالت الأصوات المحتقنة بالتكبير والتهليل تأييداً للمقترح الذي تقدم به الأخ، بضرورة أن يأتي إلينا “القائد” هنا، في مقر المؤتمر بأرض المعسكرات في سوبا. وبالفعل تجاوبت قيادة قطاع الطلاب مع المطلب المُجمع عليه، وكان عليها أن تجري اتصالات مع القيادات للاستجابة لهذا المقترح الذي غيّر مسار المؤتمر.

وعند منتصف النهار، تناقل الإخوة أن المقترح قد مرّ، وتمت الاستجابة له. في ذلك الحين، كان قطاع الطلاب هو الفاعل في العمليات العسكرية النشطة في الجنوب إلى جانب القوات المسلحة، وهو الذي يقدم الفكرة، ويتبنى الطرح، ويساهم في تأمين النظام، إلى جانب أدوار وظيفية أخرى تتعلق بالدولة والمجتمع؛ ولهذا لم يكن ثمة مفر من الاستجابة له. والحقيقة أنه لم تكن لدى التنظيم أو الدولة قدرة على الخلاف معه.

وفي صبيحة اليوم التالي، أي يوم الثامن من شهر رمضان، وبينما الناس في ترقب، والهواجس تداهم النفوس، والخيارات تتعدد، وكان عقد البرنامج المعد للمؤتمر قد انفرط؛ إذا بالقاعة يسكن آخرها، ثم ينتبه الناس إلى دخول الشيخ الترابي ـ عليه الرحمة ـ إلى القاعة، فعجّت بالتكبير والتهليل، وأجهش البعض بالبكاء.

فالألم كان يعتصر القلوب: كيف يمكن التلاعب بالتضحيات؟ وكل مؤتمر له من إخوانه وأحبابه عابرون على هذا الطريق إلى جنات الله سبحانه وتعالى، وما يزال صوتهم يتردد في الآذان؛ فهل العهد باقٍ وموثق؟ وهل موعد اللقاء بينهم وبين الشهداء قائم؟

جلس الشيخ الترابي على المنصة، وأنزل العمامة من على رأسه، ثم ترك الأمر لنا بالحديث أولاً؛ أي طرح التساؤلات قبل الاستماع إليه. وفضّل الناس الابتدار بطرح الأسئلة المحمومة، المحمولة على عنفوان العمر، والمهمومة بما ألمّ بنا، وكلٌّ يقول: ماذا جرى؟ وفيمَ الاشتجار؟ وهل إلى خروج من سبيل؟

تحدث الشيخ ـ عليه الرحمة ـ حديث “الرائد الذي لا يكذب أهله”، حديث من يقدّر من أمامه وحساسية اللحظة. حيث لخّص ـ بعد سرد تفاصيل ما كنا نظن أنه قد جرى ـ أن الحركة كانت تغلي من داخلها بما لا يراه جموع الشعب، والذي ـ في الحقيقة ـ كان خلافاً يصب في صالحهم ويناقش مطلوباتهم.

وكان مما عرفناه للتو أن الحركة الإسلامية دخلت إلى “الإنقاذ” مضطرة لضرورات، وأنها اتفقت على إنهاء حالة الطوارئ هذه حال استعدال الأمر، عبر أزمنة متدرجة، وأنها أمضت على ذلك عهودها ومواثيقها. وقد جرى “تسويق” من الرئيس والذين من حوله ـ أي الذين استوزروا تحت غطاء المصلحة العامة ـ وهي المصلحة التي قدّرت الحركة أنها ليست كذلك، فخرجوا عليها بمذكرات، وعطلوا أجهزة الحسم الحركي في الشورى، وكذلك ما دار في رأب الصدع وغيرها.

ثم قال إن الحركة اختلفت فيما بينها لأن السلطة سلطتها، ويمكن أن تعود إلى عهدها، ويمكن أن يستمر الخلاف وتتفاصل الناس بعِبر، ويمكن أن تثور فيهم روح “ليست طيبة” فيتصادموا. وقال:

“سوف نعمل على العودة، وإن تعذر ذلك فالفراق بإحسان، ونرجو ألا نتقاتل، فإن التاريخ الإسلامي غفل عن العظات فأصبح دامياً”.

وانتهى اللقاء.

نواصل.. لقاء الرئيس.