لم يكن الشيخ الترابي -عليه الرحمة والرضوان- ليقذف في الظلام، أو يبني مسير التمني على السراب حتى يَدفق ماءه رجاء ما يشتهي ويرجو؛ فقد سبقت ذلك تواصلات مكثفة من أطراف السلطة ومنه شخصياً، وهكذا تبدأ كل علاقة ثم تتطور.
لم تطل لقاءات النجوى بين الأطراف، وسرعان ما توسعت داخل حرم الحزبين، ومن ثم تجلت علناً في “خطاب الوثبة” الذي دعا إليه رئيس الجمهورية. حُددت الدعوة آنذاك للجميع، بمن فيهم حاملو السلاح، وقُدمت ضمانات صارمة لحرمة لحظة الحوار، وعلى أساسها يدخلون البلاد للمشاركة مع الاحتفاظ ببندقيتهم وخياراتهم البديلة إذا لم يجدوا في هذا الحوار ما يجيب على أسئلتهم ويحل مشاكلهم.
جيوب المقاومة و”مزاج القيادة”
هذه اللحظة السياسية الفارقة لم تكن لتُصفّي جيوب المقاومة للمشروع الجديد داخل أروقة الحزبين؛ إذ بدأ التذمر يطفو على السطح في حزب (المؤتمر الشعبي)، لا سيما في الأجهزة الطلابية والشبابية. لا أستطيع القول بأنها كانت ممانعة مؤسسية تنظيماً، وإنما كانت انعكاساً لـ “مزاج القيادة” فيها، واستدعاءً واستنساخاً لتجربة تاريخية مضت ومحاولة إنتاجها في غير محلها وسياقها.
لأجل ذلك، اتخذ الشيخ الترابي خطوات عملية لتفكيك موقف المفاصلة وفقهها، تمهيداً لإنتاج المرحلة الجديدة، وأبرزها خطوتان:
- أولاً: الذهاب إلى “أم جرس”: وجاءت هذه الخطوة في إطار احتواء العمل العسكري، وتقديم الضمانات اللازمة لوضع السلاح من أجل إنجاح الحوار الوطني.
- ثانياً: العودة إلى المجلس الوطني: هذا المجلس الذي أُخرج منه الشيخ في عام 1999، عاد إليه اليوم ليؤكد للعضوية أن هنالك تحولات قادمة يجب أن يدفعوا في اتجاهها، وأن لا يعيقهم الاحتماء بكسبهم القاعدي القديم. أكد لهم أنهم -وهو معهم- ينطلقون من ذات المنطلق الذي عاهدهم عليه، فقابلوه بالترحيب، ونام كل منهم تلك الليلة بمشاعر مختلفة.
ثم تلت ذلك خطوته بالذهاب إلى (المؤتمر الوطني)؛ ذاك الحزب الذي رُفض لقاؤنا فيه بعد قرارات الرابع من رمضان الشهيرة، فذهبنا يومئذٍ إلى “المنشية”. وتلك كانت المرة الأولى التي أزور فيها المنشية، والمرة الثانية التي ألتقي فيها شيخ الحركة بعد لقائه في “أرض المعسكرات” بمؤتمر الطلاب الذي سلف ذكره. لقد مثل ذهابه للمؤتمر الوطني إعلاناً رسمياً بإذابة الفواصل، وقطع الجفوة بالتواصل، وقد شعر جميع من قابلناهم هناك بأن حملاً ثقيلاً قد انزاح عن صدورهم فاطمأنوا.
تباين المواقف والجدل حول “الوثبة”
جاءت بعد ذلك ندوة المحامين، والتي تلخصت خلاصتها في تفويض الرئيس لقيادة مرحلة جديدة. هذه الخطوات الجريئة والمتجردة أثارت جدلاً واسعاً في أوساط الحزبين:
- ففي (المؤتمر الوطني): تمانعت الأجهزة ذات الطابع الأمني بشتى مستوياتها (الشعبية والرسمية).
- وفي (المؤتمر الشعبي): تمانع أهل المناطق المتأزمة في الحزب، إلى جانب بعض الذين تقودهم “نرجسية” سياسية لا تقرأ الواقع، ولا تسعف الحال، ولا يقول بها أي مصلح اجتماعي.
قفشات ومواقف من الذاكرة
وهنا أحكي بعض “القفشات”: مما أذكره أنه بعد خطاب الوثبة مباشرة، دار جدل كثيف حول متن الخطاب وتغييره، وقيل إنه ليس هو الخطاب المتفق عليه مسبقاً، وأن الرئيس استجاب لضغوط بعض “الصقور” في النظام بأن يخفض سقف خطوة الاندماج هذه.
حينها قلت لمجموعة من الإخوة في (الوطني) -من الذين بادرونا بالحديث عن فشل هذه الخطوة وفراغ الخطاب-:
”أنتم لا تقرؤون التاريخ ولا تستفيدون من عبره؛ من قال لكم بأن الشيخ بهذه الخطوة يراهن على مجرد الخطاب الذي تمت تلاوته؟ وأنه لا يعرف الأشياء المعوقة في الطريق؟ اقرؤوا إن شئتم قول الشيخ في كتابه (التطور والكسب والمنهج) حين قال: إننا كنا مضطرين لمسايرة مزاج الرئيس وبهذا نصنع المجد في المصالحة. وبذلك كسبت الحركة ما لم تتمكن منه في سنوات الصراع مع النميري. وحينما عاد النميري ليضعهم في السجون تنفيذاً لرغبة الخارج وعملائه في الداخل، لم يَعُد النميري إلى المشهد إلا على يد الإنقاذ الممدودة له وترحابها”. (ألا رحم الله الرئيس النميري والشيخ الترابي).
أقول قولي هذا لتعلموا بأن الشيخ -فيما أعرف عنه وأسمع وأرى- قد دخل هذا الحوار صادقاً، بصفاء نفسه المعهود وصدق عهده غير المـُخان. ولكن هذه الخطوة نفسها كانت كفيلة بأن تحرك مراكب النظام من مراسيها كلها، وتجعل أعداء الأمس أصدقاء اليوم إذا صدق النظام، أما إذا بدّل وغير.. فلن يعود إلى قواعده سالماً.
ونواصل..
اكتشاف المزيد من سودان بلس
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.