في البداية، دعوني أقول كلمتين:
الأولى: أهم ما حدث في لقاء الرئيس البرهان مع الاتحاد الأوروبي هي الصورة المنشورة مع هذا المقال، أما الباقي فكلام فارغ. فتلك الصورة وحدها تثبت اعتراف دول الاتحاد الأوروبي بالحكومة التي يقودها الجيش وقائده.
الثانية: ما أقصد بكلمة «سفهاء» هو قلة العقل ﴿مَنْ يَرْغَبْ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾. لقد اتضح لي حين طالعت بيانهم الذي أصدروه أمس أنهم فعلاً سفهاء بالمعنى الذي شرحته، وليس بالمعنى الدارج في فهم السودانيين (عشان ما زول يفهم غلط).
يبدأ البيان بكذبة مخجلة حين قال: «يأتي رؤساء البعثات للاستماع إلى أحوال السودان وفهمها بشكل أعمق». ترى ما الذي يريدون فهمه بشكل أعمق بعد ثلاث سنوات من الحرب التي هربوا من ساحاتها منذ انطلاق أول رصاصة؟!
الحرب التي كان لهم فضل كبير في إشعالها، حين قرروا عزل كل القوى السياسية واختاروا فقط أحبابهم لصناعة اتفاق إطاري يوصلهم إلى السلطة… ثم سارت النغمة: «إما الإطاري أو الحرب». فالحرب كانت من صنع أيديهم.
فالذي أشعل الحرب بالضرورة يفهم من الذي أشعلها؟ ولماذا أشعلها؟
دعك من ذلك، منذ بداية الحرب عُقدت في أوروبا ثلاثة مؤتمرات ناقشت كل شيء في الحرب (جنيف، لندن، برلين)، وقدمت مراكز الأبحاث في أوروبا كل المعلومات اللازمة لمن يريد أن يفهم. ثم غطت الصحف الأوروبية كل ما جرى في الحرب من إبادة ومجازر ولجوء ونزوح ونهب واغتصاب… باختصار، كل المعلومات متاحة.
السفهاء يعرفون، ولكنهم يدَّعون عدم الفهم لأسباب يعرفونها جيداً. هكذا بدأ البيان بكذبة…
صدر البيان في ١٦ بنداً، تسعة منها عبارات إنشائية أقرب للكلام الدبلوماسي الفارغ، وسبع فقرات كلها مخجلة ومبنية على المجهول كما سنرى.
يقول البيان في إحدى فقراته: «يجب عدم تكرار المجازر المروعة والانتهاكات الصارخة لأبسط حقوق الإنسان التي ارتُكبت بحق المدنيين، لا سيما في الفاشر وولاية الجزيرة».
ترى من ارتكب المجازر المروعة والانتهاكات ولا سيما في الفاشر؟ لماذا لم يذكروا المجرم الذي يعرفونه تماماً؟ لأن مصالحهم مع كفلاء المجرمين تمنعهم من قول الحقيقة. لا كلمة إدانة واحدة لمن ارتكب المجازر في نيالا وكررها في الجزيرة، بل في كل شبر دنسته تاتشيراتهم.
في فقرة ثالثة يقول البيان: «يجب إنهاء الحصار الإنساني المفروض على المدنيين والمدن فوراً». من الذي يحاصر المدنيين الآن في المدن والقرى؟ يعرفونه بالطبع.. ترى لماذا لا يخاطبونه اسماً وذاتاً ووصفاً؟
ثم بلا أدنى خجل أكد رؤساء البعثات الأوروبية على أهمية الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه وسيادته… تصوروا أنهم هم أنفسهم الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الذين شاركوا قبل أسبوعين في أديس أبابا في اجتماع «بتأسيس» وهو كيان يؤسس الآن دولة في دارفور! فكيف يدَّعون أنهم حريصون على سيادته وسلامة أراضيه؟!
والغريب أن البيان يدين في فقرة أخرى «الجهود المبذولة لإنشاء هياكل حكم موازية في البلاد»، بينما يشجعون ويعترفون عملياً بمن يقومون بإنشائها، ويدينون لفظياً فقط الجهات التي تحاول الحفاظ على وحدة السودان! على من يمكن أن تمر هذه الدراما السوداء الخادعة؟
فقرة رابعة في البيان تؤكد ضرورة «إنشاء مناطق آمنة وممرات إنسانية»، لمن هذه الدعوة؟ إلى أي عنوان ترسل؟ لمجهول…
على العموم، المناطق التي يسيطر عليها الجيش آمنة ولا تحتاج لممرات إنسانية. والغريب أنهم يطالبون بممرات إنسانية وهم عجزوا عن الإيفاء بالتزاماتهم المالية التي تعهدوا بها في كل المؤتمرات التي عقدوها في عواصمهم.
أخيراً اختتم البيان برفض الدعم الخارجي الذي يغذي الصراع، وانتقدوا التدفق غير القانوني للأسلحة والمرتزقة الأجانب، محذرين أن ذلك سيطيل الصراع في السودان.
بالطبع، هؤلاء السفهاء لا يعرفون — أو يتظاهرون بعدم معرفتهم — من يوفر الدعم الخارجي، ومن يدعم المليشيا بالأسلحة، ومن يستجلب المرتزقة؛ ولذلك فهم لا يشيرون إليه.
المطلوب منهم الآن أن يتركونا وشأننا، لنداوي جراحنا بأنفسنا بعيداً عن مؤتمراتهم وتوصياتهم ومؤامراتهم. نحن في غنى عن مساعداتهم المشروطة… يكفينا أن يحلوا عن سمانا ويتركوا السودان لأهله.
اكتشاف المزيد من سودان بلس
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.