(1)
لقد كانت الحرية هي العنصر الفاعل لانتصار وسيادة الرسالة المحمدية في الجزيرة العربية وبلاد الشام وفارس، وقد رفض النبي فكرة تسميته ملكا أو امبراطور أو رئيس فقد حدد وظيفته نبيا رسولا ، رغم إنه كان يمارس رئيس الجماعة في المرحلة المكية ورئيس الدولة بعد الهجرة إلى المدينة وكانت قريش والعرب يقولون محمد وأصحابه ، ورمزية الصحبة تعني تبادل الأراء والأفكار دون حجر أو استبداد بالرأي ، فلا غرو أن ترك النبي القائد أمر اختيار الخليفة من بعده شورى بين المسلمين لذلك تداعى الأنصار والمهاجرين إلى سقيفة بني ساعدة لاختيار الخليفة الجديد ورشح الخزرج للخلافة زعيمهم سعد بن عبادة، ورشح الأوس أسيد بن حضير وتمترس الأنصار في شعار منا إمام ومنكم إمام . وكما تداعى المهاجرون بقيادة عمر وأبوعبيدة، وأبوبكر الذي قدم المرافعة الفكرية والسياسية التي تؤكد أهلية المهاجرين بالإمامة ومن ذلك حديث النبي (قريش ولاة الناس في الخير والشر) (الأئمة من قريش أبرارها أمراء أبرارها وفجارها أمراء فجارها)(والناس تبع قريش في هذا الأمر )
(2)
قدم أبوبكر مرافعة سياسية عقلانية وتأصيلية رصينة
(لن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبا ودارا ).ثم انتخب المؤتمر العام وفي أجواء من الحرية أبي بكر الصديق الخليفة الأول للمسلمين باستثناء قلة اختارت صف المعارضة السياسية الحميدة وفي طليعتهم سعد بن عبادة وعلي ابن أبي طالب.
إن انتخاب أبوبكر في قمة هرم الدولة الإسلامية يعتبر ممارسة ديمقراطية تجديدية كسرت احتكار القيادة القرشية المتوارثة في بني عبد مناف وبني عبد الدار ، وبني مخزوم لذلك قال والد أبي بكر (وهل رضي بنو عبد مناف، وبنو عبد الدار وبنو المغيرة؟ ما وضع من رفعوه، وما رفع من وضعوه)
قد يرى البعض أن أبي بكر حدد عمر بن الخطاب خليفة من بعده والثابت أنه قبل وفاته استشار كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار فيمن يخلفه فرشحوا له عمر ، واعتمده مرشحا من بعده للخلافة ولكن عملية اختيار عمر بن الخطاب خليفة للدولة الإسلامية تمت بعد إعمال الشورى وسط الصحابة وقاعدة المجتمع الإسلامي في المدينة.
(3)
كذلك قد يرى البعض أن عملية الشورى في اختيار الخلفاء والأمراء تم اختزالها وسط سكان المدينة. إن مرد ذلك الإجراء لصعوبة تعميم الشورى في الأمصار والأقاليم لانعدام أدوات التواصل المباشر ومخاطرة الفراغ السياسي لآماد طويلة خاصة وأن الدولة الإسلامية لم تزل في صراع الرؤى والتكوين. ولكن كلما سنحت الظروف توسعت الشورى حيث شارك الحجيج في اختيار عثمان بن عفان وأمر عمر بن الخطاب بمشاورة قادة الأجناد في اختيار الخليفة من الستة الذين رشحهم ووقع الاختيار على سيدنا عثمان بن عفان لأنه التزم في برنامجه الإنتخابي بشرط البيعة وهو السير بهوادي أبي بكر وعمر بينما أصر علي بن أبي طالب على الاجتهاد الشخصي في السياسة. ومن المفارقات أن دواعي الثورة ضد عثمان مردها عدم إلتزامه التام بنهج أبي بكر وعمر ، بينما يرى البعض أن الثورة ضد عثمان كانت ثورة مجتمعات الهامش ضد الأرستقراطية القرشية التي تمرغت في الثروة والسلطة
رغم حالة الطواري الإستثنائية التي أعقبت مقتل الخليفة عثمان إلا أن بيعة علي بن أبي طالب انعقدت في باحة المسجد بعد شورى كثيفة شملت أهل الحل والعقد وكبار الصحابة من المهاجرين والأنصار وقاعدة المجتمع الإسلامي في المدينة
(4)
شكلت معركة صفين أول انحراف استراتيجي في مسار الفكر السياسي الإسلامي وجاءت بأول ملك في الدولة الإسلامية وهو معاوية بن أبي سفيان. إنها معركة مثلت حالة التذبذب في الاختيار بين الشورى والاستبداد وقد اختار المجتمع الاسلامي في تلك اللحظة التاريخية الحرجة وبدواعي المحافظة على تماسك المجتمع والوحدة والأمن الخيار الذي قاده الى حالة القابلية للاستبداد. لقد ابتدع معاوية عقدا سياسيا جديدا يرتكز على المنفعة وسماه المؤاكلة الحسنة والمشاربة الجميلة أي دولة الكفاية الاقتصادية وتلبية كل احتياجات المجتمع. وأيضا كانت براحات من الحرية يقول معاوية: (إني لا أحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا)
(5)
لقد تميز الفكر السياسي الإسلامي بالثراء والخصوبة والتفاعل مع الآخر من لدن الأنبياء والأديان السابقة (مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة)، وكذلك التفاعل مع النظام الأخلاقي الإنساني (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) . وكذلك تبنى بعض ميراث الجاهلية (لقد شهدت في دار بن جدعان حلفا لو دعيت به في الإسلام لأجبت) كذلك تفاعل مع الإمبراطوريات السائدة حيث اتخذ أسلوب الختم في رسائله للملوك وهو أدب دبلوماسي روماني، وفي دستور المدينة أبقى على الهرمية القيادية للقبائل العربية بعد اعتناقها الإسلام
لقد اقتضى فقه الضرورة في بدايات الدعوة الإسلامية خلال عصر الخلافة والدولة الأموية والعباسية شرط الإسلام في تسنم الخلافة ولكن المفهوم المعاصر للدولة الوطنية أساسه المواطنة والتنوع والتعاقد بين الحاكم والمجتمع والاختيار الحر الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع.
السبت: 2026/6/20
اكتشاف المزيد من سودان بلس
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.