د .أحمد عبد الحافظ
تُثير الخطوة التي أعلنتها اللجنة العليا لجمع وحصر مخلفات الحرب، بشأن منح أصحاب السيارات المحصورة مهلة (30) يوماً لاستلام مركباتهم قبل التصرف فيها وفق قانون المال الضائع والمتروك لسنة 1905م، العديد من الإشكالات القانونية والواقعية التي قد تجعل تنفيذ القرار خلال المدة المحددة أمراً بالغ الصعوبة.
ففي الأول من مايو الجاري، أعلنت اللجنة – بناءً على توجيهات وزير العدل عبدالله درف – منح أصحاب المركبات الموجودة في (38) موقعاً مهلةً لاستلامها، وذلك بالتنسيق مع وزارة المالية ممثلةً في الإدارة العامة للشراء والتخلص من الفائض. إلا أن التطبيق العملي للقرار يصطدم بجملة من العقبات الموضوعية والقانونية.
أولاً: حالة المركبات المشمولة بالقرار :
تشير الوقائع إلى أن غالبية المركبات المحصورة تعرضت لتلف كبير أو شبه كامل، ما أدى إلى طمس معالمها وتعذر التعرف عليها بصورة دقيقة، خاصةً مع فقدان أعداد كبيرة من المواطنين لمستندات الملكية الرسمية خلال ظروف الحرب والنزوح، الأمر الذي يجعل إثبات الملكية عمليةً معقدةً وصعبة التنفيذ عملياً.
ثانياً: أوضاع الملاك المعنيين بالقرار:
ألقت الحرب بآثارها الثقيلة على المواطنين والمؤسسات، حيث غادر عدد كبير من السودانيين البلاد بحثاً عن ظروف معيشية أفضل، بينما فقد آخرون الأمل في استرداد ممتلكاتهم المنهوبة، بما فيها السيارات. وبالتالي، فإن إلزامهم بالحضور أو إكمال الإجراءات خلال فترة قصيرة قد لا يراعي واقعهم الإنساني والمعيشي.
ثالثاً: ارتفاع تكاليف الاستلام والإصلاح:
إن استلام المركبات المحصورة لا يقتصر على الإجراءات الإدارية فحسب، بل يرتبط أيضاً بتكاليف نقل وصيانة وإصلاح قد تتجاوز القيمة السوقية الحالية للمركبة نفسها، أو حتى العائد المتوقع من بيعها لاحقاً، وهو ما يقلل من جدوى الاستلام بالنسبة لكثير من الملاك.
رابعاً: إشكالية توصيف المركبات بأنها «مال متروك»:
تتمثل أبرز الإشكالات القانونية في أن هذه المركبات لم تُترك بإرادة أصحابها الحرة، وإنما فُقدت أو سُرقت نتيجة ظروف الحرب والقوة القاهرة، حيث تشير التقديرات إلى أن نسبةً كبيرةً منها نُهبت بواسطة عناصر المليشيات المتمردة ونُقلت إلى ولايات ومناطق مختلفة.
وعليه، فإن وصفها بأنها «أموال مهملة أو متروكة» يثير جدلاً قانونياً، لأن المال المتروك – وفق المفهوم القانوني – هو ما يتركه صاحبه بإرادته واختياره، لا بسبب الإكراه أو ظروف الحرب. وهو ما يجعل تطبيق قانون المال الضائع والمتروك على هذه الحالة محل نقاش واسع من حيث صحة التكييف القانوني.
السند القانوني للقرار :
استند القرار إلى المادة الثالثة من قانون المال الضائع والمتروك لسنة 1905م، التي تمنح الحكومة سلطة التصرف في الأموال المتروكة وبيعها وإيداع عائداتها في الخزينة العامة بعد مرور مدة محددة من الحصر.
ومن الناحية الشكلية، قد يبدو القرار مستنداً إلى نص قانوني قائم، إلا أن تطبيقه في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد يثير تساؤلات حول مدى مراعاة القانون لمفهوم القوة القاهرة والظروف الإنسانية المصاحبة للحرب.
قانون قديم وواقع استثنائي :
يُعد قانون المال الضائع والمتروك من القوانين القديمة التي صدرت قبل أكثر من قرن، ويتكون من ثماني مواد وُضعت لتنظيم التصرف في الأموال المهملة في الظروف الطبيعية والعادية، وليس في أوضاع الحرب والانهيار والنزوح الجماعي التي يعيشها السودان اليوم.
لذلك، فإن تطبيق نصوصه بصورة جامدة، دون مراعاة لروح العدالة والظروف الاستثنائية، قد يؤدي إلى نتائج تُحمِّل المواطن مزيداً من الأعباء بدلاً من جبر الضرر الواقع عليه.
وكان الأولى – بحسب مراقبين – أن تُوجَّه جهود الدولة نحو مشاريع التعويض وجبر الضرر واسترداد الحقوق المنهوبة، قبل الاتجاه إلى التصرف في ممتلكات المتضررين من الحرب. وحتى في حال المضي في تنفيذ القرار، فإن العدالة تقتضي وضع معالجات قانونية تضمن تعويض أصحاب المركبات الذين حالت ظروف الحرب أو النزوح دون تمكنهم من استلام ممتلكاتهم خلال المهلة المحددة.