الدوبامين الرخيص… وإدمان مواقع التواصل


د. شيماء بابكر

في عصر التكنولوجيا والأرقام، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا أصيلًا من حياتنا اليومية، فنقضي ساعات طويلة في تصفحها والتفاعل معها. وعلى الرغم من فوائدها، فإن الاستخدام المفرط لها أثار كثيرًا من التساؤلات العلمية حول تأثيرها في الدماغ والسلوك البشري. ومع تزايد الأدلة التي تشير إلى تشابه الاستخدام القهري لها مع بعض آليات الإدمان، يبرز الدوبامين بوصفه أحد أهم النواقل العصبية المشاركة في نظام المكافأة في الدماغ، مما يجعل فهم العلاقة بينه وبين الاستخدام القهري لمواقع التواصل أمرًا ضروريًا لتفسير آثارها.

الدوبامين ونظام المكافأة

الدوبامين ناقل عصبي يرتبط بصورة مباشرة بنظام المكافأة في الدماغ ويفرز من النواه المتكأه ( المسؤوله عن مسار المكافأه في الدماغ) وينتقل عبر مسارات عصبية إلى الفص الجبهي، حيث يرتبط إرتباطا مباشرا بالدافعية والشعور بالرضا والمتعة والبهجة والإرتياح ويسمح للجسم بالشعور باللذة عند تناول الطعام، وشرب الماء، وتحقيق الأهداف، وإنجاز الأعمال، والتعلم، وسلوك الأم مع أطفالها، والخروج في نزهة عائلية، وتلقي الثناء، والتحدث مع من نحب، وممارسة الرياضة، وغيرها من المحفزات الطبيعية الضرورية لاستمرار الحياة. فهذه المشاعر تعزز السلوك وتدفع إلى تكراره.

ويكون إفراز الدوبامين استجابةً للمحفزات الطبيعية في حالة من التوازن مع نواقل عصبية أخرى، مثل الجلوتامات وحمض غاما أمينوبيوتيريك (GABA)، مما يخلق توازنًا بين مراكز التفكير والمنطق واتخاذ القرار من جهة، والدافعية والعادات والمشاعر من جهة أخرى. ويساعد هذا التوازن على المحافظة على شخصية متزنة، قادرة على التحكم في السلوك واتخاذ القرارات والاستمرار في الأنشطة الضرورية للحياة.

مواقع التواصل الاجتماعي… وإفراز الدوبامين

أصبح تصفح مواقع التواصل الاجتماعي سلوكًا عصريًا لا غنى عنه في التواصل مع الأقارب والأصدقاء والعمل والتسوق، إلا أن الاستخدام المكثف لها قد يغير كمية وطريقة إفراز الدوبامين في الدماغ.

وقد لاحظت بعض الدراسات أن الفصوص الأمامية وقشرة الفص الجبهي وغيرها من مناطق الدماغ تلعب دورًا في التفاعل النشط مع مواقع التواصل، مثل المشاركة، وإعادة النشر، والإعجاب بالمحتوى، خاصة في المنصات التي تعتمد على المحتوى الموصى به.

كما بحثت بعض الدراسات تفسير إدمان مواقع التواصل الاجتماعي مستخدمة التصوير بالرنين المغناطيسي الهيكلي والوظيفي في حالة الراحه وفي حالة ٱداء المهام أن هناك إرتباطا بين حدوث تغيرات هيكلية ( مثل إنخفاض حجم الجسم المخطط البطني ، واللوزه الدماغية ، والقشرة الجبهية ) ووظيفية في الدماغ مع الإستخدام المتكرر والقهري لوسائل التواصل الاجتماعي . ويبدو أن الاستخدام المنتظم يستدعي نشاط عدد من المناطق الدماغية، مثل شبكة التفكير الذهني، وشبكة الإدراك الذاتي، وشبكة المكافأة، وشبكة الوضع الافتراضي.

وتتوافق هذه النتائج – جزئيًا على الأقل – مع بعض الملاحظات الواردة في أدبيات إدمان المواد المخدرة، مما يوفر دعمًا أوليًا لفكرة إمكانية إدمان شبكات مواقع التواصل الاجتماعي. ومع ذلك، تبقى هذه النتائج أولية بسبب قلة الدراسات، وصغر أحجام العينات، وتنوع المنهجيات المستخدمة.

وتعزو بعض الدراسات هذه التغيرات إلى إفراز الدوبامين استجابةً للمحفزات الرقمية، بما قد يؤدي إلى اختلال نسبي في التوازن بين مراكز التحكم والقيادة في الدماغ وبين الاندفاع نحو السلوك، فيصبح إفراز الدوبامين مرتبطًا بالمتع السريعة الناتجة عن الإعجابات والمشاهدات والمحتوى الترفيهي.

ومع التحفيز المتكرر، يتكيف الدماغ مع هذا النمط، فيبحث الشخص عن مزيد من الإثارة، ويشعر بالملل من الأنشطة الأقل تشويقًا، ويجد صعوبة في التركيز أو الاستمتاع بالأنشطة التي تتطلب الصبر.

وفي دراسة العلاقة بين الدوبامين وهذه التغيرات، وجدت بعض الدراسات التي أجريت على الحيوانات وزراعة الخلايا أن تنشيط مستقبلات الدوبامين، خصوصًا D1 وD2، يطلق سلسلة من الإشارات داخل الخلية، مما يؤدي إلى:

– تقوية أو إضعاف المشابك العصبية.

– زيادة أو نقصان عدد الأشواك الشجيرية.

– تعديل قوة الاتصال بين الخلايا العصبية.

وقد ينعكس ذلك على السلوك، فيفقد الفرد جزءًا من استمتاعه بالمحفزات الطبيعية، ويصبح تصفح مواقع التواصل أو ممارسة ألعاب الفيديو سلوكًا قهريًا للحصول على شعور مؤقت بالراحة، سرعان ما يتلاشى، فيدفعه إلى مزيد من التصفح.

ويعتمد هذا السلوك على ما يعرف بـ التعزيز المتقطع (Intermittent Reinforcement)، وهو المبدأ نفسه المستخدم في ألعاب الحظ؛ إذ لا يعلم المستخدم متى سيتلقى إعجابًا أو رسالة، ولا متى سيظهر محتوى ممتع، مما يدفع الدماغ إلى الاستمرار في التحقق بصورة متكررة، ويؤدي إلى ترسيخ هذه العادة مع مرور الوقت.

الدوبامين الصحي… واستراتيجيات استعادة التوازن

لا يهدف علاج الاستخدام القهري لمواقع التواصل إلى خفض مستويات الدوبامين أو منع إفرازه، وإنما إلى استعادة التوازن الطبيعي لعمل نظام المكافأة في الدماغ. ويقصد بـ”الدوبامين الصحي” تعزيز إفراز الدوبامين من خلال أنشطة طبيعية بسيطة ومستدامة، مثل:

– المشي صباحًا وممارسة النشاط البدني : يعد من أكثر الوسائل فاعليه في دعم التوازن الوظيفي لنظام المكافأه في الدماغ فعلى خلاف المحفزات الرقميه التي تؤدي إلى تنشيط سريع ومتكرر لدوائر المكافأه ، تسهم الرياضه في تعزيز إفراز الدوبامين بصوره معتدلة ومتوازنة ، إلى جانب تحسين حساسية مستقبلاته.

– التنفس العميق وتمارين الاسترخاء : فعند ممارسة التنفس العميق والبطيء ، يزداد نشاط الجهاز العصبي نظير الودي ، مما يؤدي إلى خفض هرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين ، ويسهم هذا الخفض في التوتر في تحسين كفاءة عمل دوائر المكافأه التي يعد الدوبامين أحد أهم نواقلها العصبيه.

– الصلاة : غذاء للروح وراحة للنفس كما قال النبي ﷺ: «أرحنا بها يا بلال».

– تلاوة القرآن الكريم بتدبر، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82]. فقرائة القرآن طمأنينه للقلب وراحة للنفس ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

[ الرعد: 28]

– سماع القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204].

– التأمل اليقظ في النفس والكون (وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) و قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190].

– القراءة والتعلم المستمر : القرائه والتعلم وفهم الأفكار الجديده يحفز دوائر المكافأه المرتبطه بالفضول والإستكشاف ، ويؤدي إلى تحسين حساسية مستقبلات الدوبامين مع مرورو الوقت.

– ترتيب المنزل ،المكتب ، ومكان العمل : ترتيب البيئه المحيطه يقلل المشتتات والعبء المعرفي ويخفف التوتر فيعزز من كفاءة نظام المكافأة .

– الزيارات العائلية والتواصل الاجتماعي المباشر : تعد الزيارات العائلية والتفاعل الاجتماعي المباشر من أهم مصادر الدعم النفسي والعاطفي وتساهم في تنشيط نظام المكافأة بشكل طبيعي.

– ممارسة الامتنان حتى يصبح عادة : تشير الأبحاث إلى أن التعبير عن الإمتنان والتأمل في النعم قد ينشطان شبكات دماغية مرتبطه بنظام المكافأة.

– الانخراط في الهوايات والأنشطة الواقعية، والتقليل من الاعتماد على المكافآت الرقمية.

خاتمة

بعد استعراض الآثار السلبية للاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي وعلاقته بالدوبامين، وبيان بعض الاستراتيجيات التي تساعد على التخلص من هذا النمط السلوكي، وجد أن الصيام الرقمي، مع المداومة على المحفزات الطبيعية لنظام المكافأة، قد يسهم في استعادة التوازن الوظيفي للدماغ، بما يعزز الانسجام بين العقل والجسد، ويساعد على ضبط السلوك والعودة إلى نمط حياة أكثر صحة واتزانًا.


اكتشاف المزيد من سودان بلس

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اكتشاف المزيد من سودان بلس

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة