السودان: حرب الوجود.. مشاهدات من على شرفة الميناء البري تزحلقات نظام الإنقاذ (6)


جاءت انتخابات عام 2010 وهي تعاني آثار اتفاقية “نيفاشا”، إذ جُمعت بصورة مركبة بين انتخابات الدولة واستفتاء جنوب السودان كاستحقاقين متزامنين. ومثّلت تلك اللحظة إعلان الفشل لـ”الإنقاذ الثانية” في تحقيق مشروع الوحدة الوطنية وفق ما كان معلناً.

وطوال فترة الاتفاقية الممتدة من عام 2005 إلى عام 2010، لم نسمع أتباع الإنقاذ الثانية يتحدثون عن الوحدة أو يبشرون بها؛ لأن الاتفاق لم يمنح غالب أهل الجنوب شيئاً يُذكر خارج إطار هيمنة “دينكا بور”، حتى على مستوى الاعتبار السياسي. كما أن معارضي نظام الإنقاذ لم يجدوا ما كانوا يأملونه من أن تُحدث “نيفاشا” توازناً سياسياً أو تفتح هامشاً أوسع للحريات العامة، بل ازدادت المعاناة واتسعت دائرة الاعتقالات والقمع، وكان عدم تعديل “قانون الأمن الوطني” أبرز عناوين تلك المرحلة.

كان واضحاً أن الحركة الشعبية والإنقاذ الثانية قد اتفقتا، عملياً، على قسمة الجغرافيا: الجنوب للجنوبيين، وبقية الوطن للإنقاذ الثانية. وفي ظل هذه القسمة جاءت انتخابات عام 2010، فتقدّم مرشحون من غالب الأحزاب المعارضة لخوض المنافسة، ظناً منهم أن الشريك الجديد، الحركة الشعبية، يمكن أن يحدّ من عمليات التزوير الممنهج. غير أن هذا الحماس سرعان ما تلاشى بعد إعلان الحركة الشعبية انسحابها لصالح شريكها، مقابل الاعتراف بنتيجة الاستفتاء التي كانت المؤشرات تؤكد أنها تتجه نحو الانفصال.

لقد زهد الجنوبيون في الوحدة حين باعتهم الإنقاذ الجديدة لصالح “دينكا بور”، وزهد الشماليون في السلطة حين باعت الحركة الشعبية الانتخابات للإنقاذ الجديدة. كانت صفقةً لم يكن فيها خاسر سوى الوطن. وهكذا تنازلت الإنقاذ عن المشروع الاستراتيجي المتمثل في وحدة السودان مقابل تمسكها بالسلطة.

أُعلنت نتيجة الاستفتاء لصالح الانفصال بنسبة كاسحة يصعب تحقيقها في كثير من الاستحقاقات الديمقراطية، كما جاءت نتائج انتخابات الإنقاذ الثانية بصورة لم يفز معها أحد إلا من رضيت عنه السلطة وفسحت له المجال في الدوائر الانتخابية. ولم تمضِ سوى سنة واحدة حتى بدأت ملامح الأزمة تظهر إلى العلن، فخرجت المذكرات الإصلاحية من داخل النظام نفسه، ومن أبرزها مذكرة “الألف أخ” التي وقع عليها قطاع واسع من الشباب، الذين كانوا يمثلون أحد أهم مخزونات النظام البشرية والسياسية.

وكانت هذه المذكرة كاشفة لحقيقة التململ الداخلي، ومؤشراً إلى أن الإنقاذ، رغم ما كانت تعلنه من تماسك وقوة، بدأت تواجه تحديات حقيقية من داخل صفوفها.

وفي العام نفسه، برزت “مبادرة نهر النيل” في بدايات الربيع العربي لتؤكد أن دواعي الثورة على النظام باتت متوفرة، وأن شروطها الموضوعية قد اكتملت. ورأت المبادرة أنه إذا كانت التغييرات التي شهدتها تونس ومصر قد أوصلت الإسلاميين إلى السلطة، فإن الثورة في السودان ستقوم على مجمل التيار الإسلامي بسبب ممارسات الإنقاذ الجديدة.

ثم خرج حزب “الإصلاح الآن” بقيادة الدكتور غازي صلاح الدين، أحد أبرز مهندسي الإنقاذ الثانية، وانضم إليه عدد من القيادات، من بينهم الأستاذ حسن عثمان رزق.

ومثّل تأسيس هذا الحزب نقطة فارقة في مسيرة النظام؛ إذ أعلن بصورة واضحة انسداد أفق الإصلاح من داخل المؤسسات الحزبية للإنقاذ الجديدة، ورفع شعار “الإصلاح الآن”. كما ارتبط الحزب لاحقاً بشعار “تسقط بس”، وهو الشعار الذي سنعود إلى دوافعه وخلفياته في الحلقات القادمة.

نواصل…

 


اكتشاف المزيد من سودان بلس

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اكتشاف المزيد من سودان بلس

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة