الاقتصاد السوداني بين اللجان والحاجة إلى الاستشارة الاستراتيجية

الاقتصاد السوداني بين اللجان والحاجة إلى الاستشارة الاستراتيجية

     قبل عام، وعقب تشكيل السيد رئيس مجلس الوزراء لجنة اقتصادية لمعالجة الانهيار المتسارع في قيمة العملة الوطنية، كتبت مقالًا أوضحت فيه أن تشكيل اللجان الأمنية والإدارية، بمعزل عن معالجة جذور الأزمة، لن يقدم ولن يؤخر، وأن هذه التجربة سبق أن خاضتها حكومة الإنقاذ، ولم تُفضِ في نهاية المطاف إلى نتائج تُذكر.

    واليوم، وبعد مرور عام، يبدو أن المشهد يعيد نفسه بصورة مختلفة. فقد تم، قبل فترة قصيرة، تشكيل لجنة برئاسة السيد وزير الدفاع لمراقبة الأداء الاقتصادي. وأكاد أعتقد أن الأمر لا يعدو أن يكون خطأً مطبعيًا، لأننا حتى الآن لم نسمع عن نشاط واضح لهذه اللجنة، ولم نرَ أثرًا ملموسًا لتحركاتها أو توصياتها على أرض الواقع.

أما الذي نسمعه ونراه يوميًا، فهو أمر مختلف تمامًا:

1. تدهور مستمر في قيمة العملة الوطنية وتراجع القدرة على توفير النقد الأجنبي.

2. عودة الصفوف والازدحام أمام محطات الوقود.

3. اللجوء إلى إجراءات مؤقتة للحيلولة دون الزيادة المباشرة في أسعار الخبز.

4. ارتفاع أسعار الجاز والوقود بصورة متزايدة.

وإذا استمر الوضع الاقتصادي بالوتيرة الحالية، فمن المتوقع أن يصل سعر قطعة الخبز إلى 500 أو حتى 1,000 جنيه قبل نهاية العام، بالتزامن مع زيادات متوقعة في أسعار الوقود والكهرباء والسكر والدقيق، وهو ما يعني مزيدًا من الضغط على المواطن، ومزيدًا من تآكل القوة الشرائية، واتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة.

وفي لقائه الأخير مع عدد من الصحفيين، ألمح السيد رئيس مجلس السيادة إلى عدم رضاه عن أداء الجهاز التنفيذي، كما ألمح إلى احتمال إجراء تغيير كلي أو جزئي في مجلس الوزراء.

لكنني لا أعتقد أن تغيير الأشخاص، وحده، هو الحل.

المشكلة في تقديري أعمق من مجرد تبديل الوزراء؛ فهي تتعلق بآلية صناعة القرار والمتابعة والتنسيق بين مؤسسات الدولة. ولذلك، فإن المطلوب هو إعادة تفعيل الاستشارية الأمنية والاستراتيجية باعتبارها حلقة وصل مؤسسية بين مجلس السيادة ومجلس الوزراء، على أن تكون رافدًا معلوماتيًا واستراتيجيًا حقيقيًا، يمد القيادة بالمعلومات الدقيقة والتحليلات المستقلة، ويساعد على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، ثم يتولى متابعة تنفيذ القرارات وتقييم نتائجها.

إن السودان، في هذه المرحلة الدقيقة، لا يحتاج إلى مزيد من اللجان التي تبدأ بتكوينها وتنتهي بتقرير، وإنما يحتاج إلى مؤسسات فاعلة، ومعلومات دقيقة، وقرار واضح، ومتابعة مستمرة، ومساءلة حقيقية.

*فالاقتصاد لا ينتظر، والعملة لا تنتظر، والمواطن السوداني لا يستطيع الانتظار أكثر.*

أمية يوسف حسن أبوفداية

باحث وخبير استراتيجي مختص في شؤون القرن الإفريقي

الخرطوم

13 سبتمبر 2026


اكتشاف المزيد من سودان بلس

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اكتشاف المزيد من سودان بلس

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة