أ. ياسر الفاضلابي
هنالك مسلّمة راسخة عندي، وهي أنه بسقوط نظام الإنقاذ أصبح الطريق ممهداً نحو الحرب، إذ لم تأتِ بغتة كما حكى البعض؛ ولذلك عليَّ أن أرسم طريقاً منهجياً يدلل على ذلك، يبدأ من هناك: الإنقاذ، الفكرة والتجربة، والتمرحلات المرسومة، والانزلاقات المشؤومة. فدعوني أبحر لصالح العبرة التي تسهم في إصلاح الواقع.
وأنا في العقد الثاني من العمر، وفي ليلة تغيّر معها الهواء وطعم الماء، وتبلدت فيها شراهة الطعام، كنت مسؤول الاتحاد الإسلامي للمنظمات الطلابية بالمحافظة. ذهبت بعد صلاة العشاء إلى مكتب جهاز الأمن بـ«بربر»، حيث درجت القوات الأمنية ـ مستعينة بالمكاتب الطلابية كقوى احتياط ـ على القيام بأطواف ليلية لحماية الناس حين يخلدون للنوم، بعد حياة عمل وطول سعي في نهارهم، وحراستهم من طارق لا يطرق أبوابهم بخير.
كانت هنالك لجنة بقيادة مدير الأمن يومها (أ. ع. س)، وأذكر أنه كان برتبة مقدم ـ على ما أظن ـ وما إن وصلت إلى المكتب حتى دعاني إلى مكتبه، وبدأنا أُنساً غير مبتهج، على غير ما يقتضيه اللقاء؛ إذ كان يحمل خبراً يريدني أن أسمعه منه.
يومها كان شيء من انفتاح الفضاء قد بدأ يتجاوز الحدود الوطنية والخصوصية إلى الفضاء العالمي، وذلك بظهور الطبق الفضائي «الدش» ضخم الحجم، الذي لا تستطيع مواراته عن الأنظار. فقد كان محرّماً إلا بتصديق، لما يحمله من «سموم الثقافات» ـ كما كان يقال ـ ولأجل قرار التدرج بالمجتمع من الإحجام إلى التفاعل، ومن التفاعل إلى الاندماج، بغية تقديم بضاعتنا الرسالية عبر هذا الفضاء.. هكذا قيل لنا.
وبينما نحن كذلك، أطلت من خلال شاشة الجزيرة نشرة الأخبار، معلنة أن الرئيس البشير قد قام بحل المجلس الوطني الذي كان على رأسه الشيخ الترابي ـ رحمه الله وأحسن إليه ـ.
كان الخبر صادماً للجميع، ممن كانوا حاضرين ومن الذين تداعوا على أثره، حتى قال أحدهم، استجابة لفطرته التي لم تُطمس أو تُلوَّث: «هذا انقلاب!». قالها ولم يرد عليه أحد. كان المكان خالياً إلا منه، ثم انصرفنا بعد ذلك.
وبعد ترتيب أمر الطواف وانتهاء التوزيعات الليلية ـ حيث كنا جزءاً من المشاركة فيه عبر مكاتبنا الطلابية ـ أصر المدير على أن يعيدني إلى مكتبي بعد أن توزعت عربتي ضمن دوريات الطواف.
وأمام المكتب في «ميدان المولد» ببربر، حيث أضواء مسجد الشيخ أحمد مجد الدين ـ عليه الرحمة والرضوان ـ تكشف جنبات الميدان المترامي، وقد هجع الناس وساد السكون؛ فتحت الباب، فإذا بإخواني في المكتب قد استغرقوا في نوم عميق.
نظرت إليهم في ظل واقع جديد لم أرَ فيه خيراً. أخذت كرسياً من طرف المكتب، ثم أغلقت الباب دون أن أشعر أحداً بذلك، وجلست أفكر. والخبر الذي نقله المذيع قبل ساعات يتهادى أمام ناظري، وتعليق القائل بالانقلاب يتردد في أذني، بينما كان عقلي يستعرض صفحات التاريخ كأنها جلسة مودّع؛ أنعى «الفكرة الخضراء»، وأبكي التجربة الدامية، وخلاصة الصادقين، وحلم البدريين.
وكان الصباح يستثقل حركته، ويزحف على قلبي بشوك يدمي القلب قبل العين، إذ لم تكن فيه رحمة. متى تشرق الشمس؟ حتى سمعت «رادي الاتصال» في مكتب الطلاب بعطبرة، وهو وسيلة اتصال خاصة ومشفرة، يعلن ما لديه.
وأصبح الصبح، ووصل النداء بالبلاغ المباشر عبر مرسال، بأن هنالك اجتماعاً طارئاً لمكتب الطلاب بالولاية. أبلغت الحاضرين في المكتب بالخبر، وكلفت سكرتير المكتب بدعوة مكاتب الطلاب بالمحليات والمكاتب المتخصصة للحضور إلى المكتب والمرابطة فيه أولاً، حتى تُنقل إليهم التوجيهات والترتيبات من اجتماع الولاية، وثانياً حتى لا يكونوا عرضة للتكهنات والشائعات.
ثم ركبت عربتي العائدة لتوها من الأطواف الليلية، وتوجهت تلقاء عطبرة، وأنا شاهد على منزلق كان هذا أوله؛ إذ أفقد نظام الإنقاذ ـ الذي جاء في الثلاثين من يونيو ـ نفسه شرعيته ومبرر وجوده، حين قام بتنحية أمينه العام ورمزه، وترجل عن الفكرة التي تأسس عليها، وعن عهد البيعة الحركية.
وعلى باب الخروج من الفترة الإنقاذية الأولى، أنشد شاعرها يصف الإنقاذ وما جرى لها:
عصفت بيك ريح واتقطع شراعك
وحجب عينينك قام والرئيس أضاعك
ضليتي الطريق
في صدر المحافل ودرتيهو دليلك
لا اتقويتي بيه ولا شديدتي حيلك
ضليتي الطريق
﴿لقد كان في قصصهم عبرة﴾