تعود مسألة تجريم الخمر أو تضييق تداوله إلى واجهة النقاش كلما اتخذت دولة عربية أو إسلامية خطوة تنظيمية في هذا الاتجاه، لتُواجَه غالبًا باعتراضات تُصاغ بلغة “الحريات الشخصية او الحريات الدينية”. غير أن المقاربة العلمية والقانونية الرصينة تقتضي النظر إلى القضية من زاوية أوسع، تتجاوز الشعارات إلى تقييم الأثر الصحي والاجتماعي والاقتصادي.
تؤكد الأدبيات الطبية أن تعاطي الكحول يرتبط بزيادة معدلات أمراض الكبد، والاضطرابات النفسية، وحوادث المرور، والعنف الأسري. وتشير تقارير World Health Organization إلى أن الكحول يسهم سنويًا في ملايين الوفيات عالميًا حول العالم، إضافة إلى كلفة اقتصادية باهظة تتحملها الأنظمة الصحية. هذه المعطيات تجعل *تنظيم تداوله* مسألة سياسة عامة للصحة قبل أن تكون موضوعًا أيديولوجيًا.
من الناحية القانونية، لا تُعدّ “الحرية الشخصية” حقًا مطلقًا؛ إذ تقرّ النظم الدستورية الحديثة بمبدأ تقييد الحرية لحماية النظام العام والصحة العامة وحقوق الآخرين. لذلك نجد في الدول الغربية نفسها—التي تُستشهد بها عادة—قيودًا صارمة : حظر البيع لمن هم دون سن معيّن، تجريم القيادة تحت التأثير، عقوبات على السكر العلني، وقيود مهنية على بعض الوظائف الحساسة “مدنية ام عسكرية”. هذا الاتساق التشريعي يعكس فهمًا بأن الضرر المحتمل يبرر التنظيم.
أما الجدل حول حق غير المسلمين، فيستدعي تمييزًا دقيقًا بين الاعتقاد والممارسة ذات الأثر العام. *فالقانون حين يتدخل لا يحاكم القناعات،* بل يوازن بين حرية الفرد وحماية المجتمع من الأذى المتعدي. ويمكن—من حيث الصياغة القانونية—تصميم سياسات تراعي الخصوصيات الثقافية دون الإخلال بالحد الأدنى من الحماية الصحية والأمنية.
المفارقة أن الأصوات ذاتها قد تدعم تجريمات صارمة في مجالات أخرى كالمخدرات، رغم اشتراكها مع الكحول في بنية الخطر الإدماني والآثار الصحية و الاجتماعية. هذا التباين يدعو إلى اتساق معياري قائم على تقييم المخاطر لا على الخلفيات الثقافية.
خلاصة القول : إن تنظيم أو تحريم الخمر ليس انتقاصًا آليًا من الحريات، بل قد يكون—إذا استند إلى الأدلة—أداة مشروعة لحماية الصحة العامة وتماسك الأسرة وتقليل الجريمة. والنقاش الرشيد ينبغي أن يُبنى على المعطيات العلمية، ومبادئ القانون، واعتبارات المصلحة العامة، بعيدًا عن الاستقطاب الأيديولوجي.
أمية يوسف حسن أبوفداية
مدير المركز السوداني لحقوق الإنسان وحرية الإعلام
القاهرة