
(1)
الذين يهرفون بما لا يعرفون يتجاهلون أن تخلقات دولة 1956م هي ثمرة تراكمية بذرها أبناء السودان بكل تنوعهم الديني والعرقي والهوياتي، فكانت بذرة التكوين الأولى في التصاهر والاندماج بين العرب المسلمين والنوبة، الأمر الذي أدى إلى أسلمة مملكتي نوباتيا والمقرة طوعاً، ثم ميلاد إمارة بني كنز، أول كيان إسلامي في السودان.
واستمر هذا الإثمار في التنوع القيادي الذي أسس الممالك الإسلامية في السودان الشرقي القديم، بدءاً بالتحالف الذي أسسه عمارة دنقس الفونجاوي وعبد الله محمد الباقر الملقب بـ«جماع»، والمتحدر من عرب القواسمة، والذي أثمر عن قيام السلطنة الزرقاء عام 1504م، وكانت وثنية ثم تحولت إلى الإسلام طوعاً بقرار من الملك المؤسس عمارة عام 1517م.
وتوالى الإثمار في التنوع القيادي، وتجلى في مصاهرة القائد العربي القادم من غرناطة أحمد سفيان الهلالي لسلطان الفور شاور دورشيت، وزواجه من ابنته كيرة التي أنجبت السلطان سليمان صولونج، أي «العربي» بلغة الفور، والذي نادى بأسلمة المملكة. ثم تحالف الشيخ محمد الجعلي والسلطان الوثني كيركيت، والذي أثمر عن قيام مملكة تقلي الإسلامية.
ثم جاءت ثنائية الإمام محمد أحمد المهدي وعبد الله التعايشي، التي قادت ثورة التحرر الوطني ضد الحكم التركي، وأرست اللبنة الأولى للدولة القومية السودانية.
(2)
استمرت تخلقات تكوين الدولة السودانية بذات التنوع العبقري، والذي تمثل في الكفاح المسلح ضد الحكم الثنائي البريطاني المصري، بدءاً من ثورة عبد القادر ود حبوبة في الوسط عام 1908م، وثورة الفكي نجم الدين في سنار، وثورة السلطان علي الميراوي والسلطان عجبنا في كردفان، وثورات الدينكا والشلك والنوير في الجنوب، ومقاومة السلطان علي دينار وثورة الفقيه السحيني في دارفور.
ثم تكثف النضال ضد الحكم الثنائي عبر القوة الناعمة، بذات التنوع الوطني، والذي بدأ بجمعية الاتحاد السوداني عام 1920م، أول تنظيم سياسي وطني، وقد تجاوز عدد أعضائها المائة، وفي طليعتهم عبيد حاج الأمين، وتوفيق صالح جبريل، ومحيي الدين جمال، وسليمان كشة، وعبد الله خليل، ومحمد صالح الشنقيطي، ومكاوي يعقوب.
ثم تطورت إلى جمعية اللواء الأبيض عام 1924م، حيث قدم عبيد حاج الأمين البطل علي عبد اللطيف الدينكاوي قائداً للجمعية، التي قادت المظاهرات السلمية ثم تحولت إلى مواجهة مسلحة ضد الاستعمار البريطاني، انتهت بهزيمة الثوار والزج بهم في غياهب السجون.
(3)
استمر النضال عبر الأدوات السياسية والثقافية والفكرية ضد الحكم الثنائي، بذات التنوع الوطني الخلاق، والذي تداعى في مؤتمر الخريجين عام 1938م، حتى تكوين الأحزاب السياسية الوطنية بين عامي 1945م و1952م، والتي قادت النضال السلمي حتى تُوج باتفاقية الحكم الذاتي والانتخابات العامة عام 1953م، التي أثمرت أول برلمان وحكومة وطنية.
وتمثلت في هذه الأجهزة كل المجتمعات السودانية، وقادت هذه الحكومة الاستقلال من داخل البرلمان في جلسة ديسمبر 1955م التاريخية، حيث تقدم بالمقترح ممثل حزب الأمة عن دائرة نيالا عبد الرحمن دبكة، وثنّى المقترح مشاور جمعة سهل ممثل الحزب الوطني الاتحادي عن دائرة دار حامد غرب، ورفع العلم الوطني في سارية القصر الجمهوري رئيس الحكومة إسماعيل الأزهري وزعيم المعارضة محمد أحمد المحجوب.
(4)
استمر هذا التنوع في دورات الحكم الوطني في مرحلة ما بعد الاستقلال، سواء في أنظمة الحكم الديمقراطي، وتمثل ذلك في ثنائية الحكومة والمعارضة، أو في الأنظمة العسكرية الثلاثة برئاسة الجنرالات عبود ونميري والبشير.
فالتنوع الجغرافي والمناطقي والإثني والديني داخل القوات المسلحة السودانية يمثل نسيج وحدتها، وشكل المهاد لانحياز المؤسسة العسكرية للثورات الشعبية في أكتوبر 1964م، وأبريل 1985م، وديسمبر 2018م.
إن تخلقات دولة 1956م في كل أطوارها تشكل البذرة العميقة لإنضاج قضايا البناء الوطني والتحول الديمقراطي، ولذلك ينبغي على القوى السياسية الوطنية العض عليها بالنواجذ، وتعهدها بالسقاية والرعاية والتدافع الفكري والسياسي السلمي، حتى تستوي على جودي النظام الديمقراطي التوافقي والمستدام.
(5)
بالمقابل، هل يشكل مشروع مليشيا آل دقلو قوة دافعة لقضايا البناء الوطني والتحول الديمقراطي، أم يمثل حالة قطيعة جذرية مع هذه القضايا؟
إن مشروع مليشيا آل دقلو يمثل حالة قطيعة جذرية مع قضايا البناء الوطني والتحول الديمقراطي، لأنه ينزع إلى اختزال الحكم في السودان في أسرة آل دقلو، يتوارثونه جيلاً بعد جيل.
كذلك تتمثل خطورة مشروع أسرة آل دقلو في أدواره الوظيفية للمشروع الصهيوني الهادف إلى استتباع السودان لرؤيته السياسية والأيديولوجية، أو إغراقه في أتون الحروب الهوياتية حتى التفكيك الشامل.
كما أن مشروع أسرة آل دقلو يحمل في جيناته نزعة نازية تكرس للتفوق العرقي والسلالي، فالماهرية هم السادة الجدد، وبقية المجتمعات السودانية مجرد رقيق وأتباع.
وبالتالي فإن هذا المشروع يشكل أكبر تهديد وجودي لكل المجتمعات السودانية وللوحدة الوطنية، وانتصار هذا المشروع الشوفيني العنصري يعني تفكك وانهيار الدولة السودانية.
لذلك فإن واجب كل المجتمع السوداني، بكل تنوعه السياسي والفكري والديني والإثني، الاصطفاف والقتال كتفاً بكتف مع القوات المسلحة حتى القضاء الناجز على هذا المشروع الإرهابي.
فمن لم يصطف مع الجيش والشعب السوداني في هذه المعركة الوجودية فهو جنجويدي ماكر، وإن تدثر بثياب الواعظين.
الجمعة: 2026/5/15