يُعد الصراع الإثيوبي الإريتري صراعًا قديمًا ومتجددًا، تتغير أدواته وساحاته، لكنه يظل ثابت الجذور في بنية الدولة الإثيوبية وطبيعة التوازنات الهشة في إقليم القرن الإفريقي. ويأتي شرق السودان في قلب هذا المشهد بوصفه إحدى أكثر المناطق تأثرًا بتداعيات هذا الصراع، بحكم الجغرافيا والتاريخ والتداخلات البشرية.
فإثيوبيا لم تُبنَ كدولة على نسيج اجتماعي أو ثقافي أو عرقي موحد، وإنما تشكلت عبر مشروع توسعي اعتمد على القوة العسكرية وسياسات الإخضاع لضم الأقاليم المختلفة. وقد أفرز هذا النموذج دولة واسعة جغرافيًا، لكنها هشة من الداخل، تقوم على إدارة التناقضات بدلًا من حلها، وعلى إخضاع الهامش بدل دمجه الحقيقي في مشروع وطني جامع.
أما ما يُعرف بإثيوبيا القديمة، فقد انحصر في مناطق الأمهرا والتقراي، وحتى داخل هذه الرقعة الجغرافية المحدودة لم يكن الاستقرار حاضرًا، إذ شهدت هذه المناطق صراعات دامية وممتدة بين الأمهرا والتقراي حول الحكم والشرعية السياسية.
وفيما يتعلق بإريتريا، فقد ظلت تلعب دورًا نشطًا ومؤثرًا في الساحة السودانية، خصوصًا في شرق السودان، عبر احتضانها لفترات طويلة قوى المعارضة السودانية في شكل حركات مسلحة. إذ عملت أسمرا على فتح المعسكرات، وتوفير التدريب والدعم اللوجستي والسياسي، مستغلة الانقسامات والتشققات القائمة داخل التركيبة السكانية والاجتماعية لشرق السودان. ولم يكن هذا الدعم نابعًا من التزام مبدئي بقضايا تلك الحركات، بقدر ما كان توظيفًا لها كأدوات ضغط إقليمية.
فإريتريا تنظر إلى السودان تاريخيًا باعتباره عامل ترجيح في الصراع الإثيوبي الإريتري، إذ تعتقد أن موقف الخرطوم، سواء كان حيادًا أو انحيازًا، غالبًا ما يصب في مصلحة الطرف الذي ترجح الخرطوم كفته في كسب الجولة. ومن هذا المنطلق، سعت أسمرا إلى تحييد السودان أو ابتزازه سياسيًا عبر ورقة شرق السودان، باستخدام الحركات المسلحة كورقة مساومة في صراعها المفتوح مع أديس أبابا.
غير أن المشهد لم يبقَ ثابتًا على هذا النحو، إذ لجأت إثيوبيا في مرحلة لاحقة إلى تكتيك مضاد تمثل في استدعاء واحتواء بعض فصائل المعارضة المسلحة في شرق السودان، وهي في جوهرها القوى ذاتها التي تعارض النظام الإريتري. كما فتحت أديس أبابا قنوات مع قوى معارضة ذات امتدادات على طول السهل والساحل، في محاولة لاستخدامها كأداة ضغط مباشرة على نظام أسياس أفورقي.
وهنا تتعقد الأزمة وتتشابك النوافذ، إذ نجد أن بعض هذه المجموعات تمثل، في الوقت ذاته، مصدر تهديد للنظام الإريتري، وأداة قابلة للتوظيف من قبله عند الحاجة. ويعكس هذا التداخل طبيعة الصراع في القرن الإفريقي، حيث لا توجد تحالفات ثابتة، بل مصالح متغيرة، واستخدام براغماتي للحركات المسلحة والهويات السياسية والدينية.
وتبرز خطورة هذا الواقع في أن شرق السودان يصبح ساحة مفتوحة لهذا الاشتباك غير المباشر بين إثيوبيا وإريتريا، بما يحمله ذلك من مخاطر تفجير الصراعات المحلية، وتعميق الانقسامات الاجتماعية، وتحويل قضايا الشرق من مطالب تنموية وسياسية مشروعة إلى أوراق في لعبة إقليمية أكبر من الإقليم نفسه. وهذه الصراعات التاريخية تفسر، إلى حد كبير، عودة التوترات الحالية، وتؤكد أن ما يحدث اليوم ليس إلا إعادة إنتاج لصراع قديم بأدوات جديدة.
وقد مثّل انفصال إريتريا عن إثيوبيا محطة مفصلية في تاريخ الإقليم، إذ لم ينهِ الصراع بقدر ما أعاد تشكيله. فالعلاقة بين البلدين ظلت محكومة بمنطق العداء وعدم الثقة، وتحولت الحدود إلى واحدة من أكثر المناطق توترًا في إفريقيا.
ومع اندلاع الحرب في إقليم التقراي، عادت إريتريا لاعبًا رئيسيًا في المعادلة الإثيوبية، ليس فقط بدافع الأمن القومي، بل أيضًا في إطار حسابات إقليمية أوسع تتعلق بإعادة رسم موازين القوى.
وفي هذا السياق، يبرز شرق السودان كمنطقة تماس غير مباشر مع هذا الصراع، حيث تتداخل العوامل الإثنية والاقتصادية والأمنية. فالشرق يعاني أصلًا من هشاشة تنموية، وتاريخ طويل من التهميش، ما يجعله أكثر قابلية للتأثر بالاضطرابات الإقليمية، سواء عبر تدفق اللاجئين، أو انتشار السلاح، أو محاولات استقطاب بعض المكونات المحلية لخدمة أجندات خارجية.
وتزداد خطورة الوضع حين يتزامن الصراع الإثيوبي الإريتري مع ضعف الدولة السودانية وانشغالها بأزماتها الداخلية، الأمر الذي يفتح الباب أمام فراغ أمني وسياسي قد تستثمره أطراف إقليمية متعددة. ففي هذه الحالة، لا يصبح شرق السودان مجرد متلقٍ للتأثير، بل قد يتحول إلى ساحة نشطة ضمن صراع إقليمي أوسع.
إن مستقبل شرق السودان، في ظل هذه المعطيات، يظل مرتبطًا بمدى قدرة السودان على صياغة سياسة خارجية متوازنة تجاه إثيوبيا وإريتريا، وفي الوقت نفسه تبني مقاربة داخلية جادة تعالج جذور التهميش في الشرق، وتشرك المجتمعات المحلية في صناعة القرار، بدل تركها عرضة للتوظيف الخارجي.
بقلم: عبدالله حيدر محمد أحمد
باحث في شؤون القرن الإفريقي